إِطْلَاْقُ سَرَاْحِ سِنٍّ ذَهَبِيّ

إطلاق سراح سن ذهبي
اللوحة للفنان نذير نبعة

رغد خالد النابلسي

أَلْقَيْتُ النَّظْرَةَ الأَخِيْرَةَ عَلِيْهِ واقتَلَعَتُ نفسِيْ منَ المكانِ، الاقتلاعُ التعسفيُّ صحيحٌ لا المغادرةُ. لأنَّنِيْ لا أغادرُ عن طيبِ خاطرٍ، لا يصحُّ لوصفِ حالتِي سوى الاقتلاعِ!

٭٭٭٭

طرقعةُ الملاعقِ تجعلُ سماعَ الأحاديثِ مستحيلاً، لكنَّهم يتحدثُونَ، كانَ هذا أحدَ ألغازِ العيشِ مع أسرتي، ولم يكنِ اللغزَ الوحيدَ.

تُقفِلُ ذاكرَتِيْ إلى أحدِ الشّتاءاتِ المتكررةِ حيثُ التلاصقُ مفيدٌ لتدفِئتِنا، كلّما نهضَ صغيرٌ فخرجَ إلىْ باحةِ الديارِ ليقترف المشاكسةَ معَ قطراتِ المطرِ، نسي البابَ مفتوحاً فأصدرتْ أنفاسُ المحشورِينَ في الغرفةِ بخاراً، وصاحَ الكبارُ أن نغلِقَ البابَ ونتركَ المطرَ وشأنَه. فبإمكانِه الهطولُ بدونِ تلصصِنا أو إشرافِنا على تساقطِ قطراتِه.

وبقدْرِ عنادِ حديثِهمُ المستمرِّ ــ رغمَ ضجّةِ طرقعةِ الملاعق ــ كنَّا نحنُ أيضاً نعاندُ ونخرجُ خلسةً لنوشوشَ للمطرِ بشيءٍ ما. ثمَّ نبردُ أو تبتلُّ جواربُنا فندركُ أنه لا مفرَّ منَ العودةِ إلى غرفةِ الطّعامِ العابقةِ برائحةِ أقدامِ الخرافِ المطهيةِ. الّتي لا تروقُنَا ولاْ نفهمُ كيفَ يُقبِلونَ عليها ويستزيدُون من المرقِ، وكأنّهم يَنْشُدُونَ كثافةَ الطّعمِ ولعاً بهِ، لو كنتُ مكانَهم وأُجبِرْتُ على تناولِها، لهربْتُ منَ المرقِ لأخففَ وطأةَ النّكهةِ على الأقلِّ.

ما العملُ؟ أفكارُنا وأفكارُهم لا تلتقِيْ. نحنُ نهربُ من الرّائحةِ ومن تصوُّرِ أقدامٍ تُلتَهمُ، لنشكوَهم للمطرِ الهاطلِ ونسألَه كيفَ يستسيغُون الأكلةَ الغريبةَ.!

جدّانِ وإخوةٌ وأولادُ أخوالٍ وعمومٍ. والكثيرُ منَ التّلاحمِ والاحتكاكِ، والكثيرُ من الطّلباتِ المختلفةِ المتناقضةِ. كان هذا امتداداً طبيعياً لضخامةِ عددِ المجتمعِينَ. وأنا لمْ أعِ حينَها من اجتماعاتِنا سوى كوكبةِ أصواتٍ متراكبةٍ كطنين نحل لا تُفقَهُ منه كلمةٌ. حديثٌ عامٌ يشاركُ فيه الجميعُ، وفيْ ذاتِ الوقتِ ينفردُ كلُّ اثنينِ أو ثلاثةٍ بأحاديثَ فرعيَّةٍ، يشاركُون فيْها وفي الحديثِ الأساسِيّ. فإنْ كانَ لغزُ سماعِهم لبعضِهم رغمَ طرقعةِ الملاعقِ هوَ الأوّلُ، ولغزُ استساغتِهم لأقدامِ الخرافِ هو الثّاني، ستحتلُّ قدرتُهم على إدارةِ عشراتِ الأحاديثِ في وقتٍ واحدٍ مرتبةَ اللغزِ الثّالثِ.

يضعُ جدّي الخاتمةَ لمشاكساتِنا، كلُّ صيحاتِ المنعِ كانَتْ تصدرُ عمّنْ هوَ دونَه في السّلطةِ. فإذا نهضَ ممثلُ السّلطةِ العليا، تفرّقَ جمعُنا والتصقَ كلٌّ بأمِّه وأنهيْنَا مسرحيةَ: فُتِحَ البابُ، أُغلِقَ البابُ، ابتلَّ فلانٌ، دخلَ ماءُ المطرِ، تكاثفَتِ الأنفاسُ وتعالَى البخارُ.

بإنهائِهم لمسرحيَّتِنا الأولَىْ ــ ورغمَ هيبةِ جدِّي ــ نقرّرُ المقاومة. لدينا تمسّكٌ بمحاولاتِنا لإتيانِ فعلٍ تمرّدِي نخمّنُ كيفَ سيكونُ وقعُه عليهِم. المقاومةُ الجديدة تتمثلُ في تركِنا العاشرِ لمائدةِ الطّعامِ، ومفارقتِنا لأجسادِ أمّهاتِنا التيْ نلتصقُ بأحدِ جوانبِها. وماذاْ عليهِم لو أنَّهمْ فرقعُوا لنَا بعضَ “الفوشارِ” بدلاً منْ هذهِ الأكلاتِ الثقيلةِ التيْ لاْ يُعرَفُ لها يدٌ من قدمٍ؟

آهٍ بلى.. إنها قدمٌ فعليَّاً، فلسفتِي لمْ تكنْ في محلِّها، لكنَّ اعتراضِي في محلِّه، فلوْ كانَ “فوشاراً” ولوْ عَرَضَ التلفازُ كرتونَنا المُفضّلَ لنسيطرَ على الجلسةِ، لما رفضْنَا الالتفافَ على الأطعمةِ.

نفخٌ على الشّباكِ، تكاثفٌ نُلَاحِقُه لنكتبَ عليهِ قبلَ انكماشِه، سيّارةُ فلانٍ هيَ الأحدثُ كما قال، يرسمُها ويتفاخرُ، نايُ فلانةَ يصدِرُ صوتاً يجمعُ الأغنامَ، ترسمُها وتقلِّدُ النّايَ، أمّا رسمتِي فتُحدِثُ قلقلةً في المجلسِ وتتحوّلُ هيبةُ جدِّي إلى غضبٍ ــ لا عليْنا ــ بلْ على أبِي.

رسمْتُ أشجاراً وأخبرْتُ أقرانِي أنَّها أشجارُنا الّتي رأيتُها في بستانٍ زرتُه معَ والديَّ الجمعةَ الماضيةَ: هذهِ شجرَتِي، هذهِ شجرةُ أنوار، هذهِ شجرةُ باسم، هذه شجرةُ….

مثلُ هذهِ الأخبارِ ننشرُها نحنُ الأطفالُ بكرمٍ، ولمْ أجدْ غضاضةً في ذلك، لمْ أعلمْ ما المشكلةُ فيْ التّحدثِ عن زيارتِنا للبستانِ، يلامُ والدايَ. مِنْ عادتِهما التّنبيهُ حولَ ما لا يريدُون أن أذكرَه فيْ الاجتماعِ، لماذا لمْ يخبرَاني أنّه سرٌّ؟

ثرثرَتُنا دخلَتْ جوقةَ الأحاديثِ المُتراكبَةِ، قفزَتْ من لسانٍ إلى لسانٍ، أحدُ المتحدّثِين قالَها بصوتٍ عالٍ، سمعَ جدِّي، انتفضَ من مكانِه رغمَ صعوبةِ الحركةِ عليهِ ولوّحَ بعكّازِه هادراً بأبِي:

  • أَذَهبْتَ إلىْ هناكَ؟ حذّرْتُك ألّا تفعلَ! لم يعدْ لحكمِي أهميةٌ؟
  • أبي.. رويدَك، قرارُ القطيعةِ ناجزٌ منذُ زمنٍ، وآنَ الخلاصُ منْه!
  • أبا خالدة، ابنِي حسّان، تمهّلَا، لا تحوِّلَا الجلسةَ لشجارٍ.

رجاءُ جدَّتي كبحَ فراملَهما لولَاْ أنَّ جدِّي انتبهَ لمصيبةٍ افتعلَتْها جدَّتي فيْ ندائِها لهُ فأُعيدَ مشهدُ الغضبِ من بدايتِه:

  • أبا خالدة يا بنتَ النّاس؟ أليسَ أمامَك خمسةُ رجالٍ كلٌّ منهم بطولِ الحائطِ لتختارِي اسمَ أحدِهم وتنادِيني يا أبَاهُ؟

بدا ليَ منْ نظرةِ جدَّتي أنّها تعمَّدَتْ مناداتَه بذلكَ الاسمِ وادّعَتْ أنَّها لم تقصِدْ، نظرتُها أعرفُها وأسلوبُها في تمريرِ اعتراضاتِها بأسلوبٍ ناعمٍ يتجنّبُ الشجارَ أعرفُه، ولستُ أعرفُ كيفَ أعرفُهما. فهي تعلمُ مدىْ عصبيّةِ جدِّي، لَاْءَاتُهُ تسبقُ النّعمَ. لولا أنّها ابتكرَتْ هذه الطريقةَ المُوارِيةَ لما لُبِّيَ لها طلبٌ في حياتِها. أشبُّهُ أسلوبَها بفكرةِ اللّقاحِ، يَحْقِنُ الجسمَ بشيءٍ منَ المرضِ ليختبرَ ردّة فعلِه تجاهَه. وهيَ كذلكَ لا تركضُ خلفَه بالمرضِ كلِّه ولا بالطلبِ كلِّه. حقنةٌ تحتوِي عيّنةً لتمهّدَ له وتُجهّزَه للقبول. تتمرّدُ بنفسِ طريقتِنا نحنُ الأطفالُ. كانَ مفاجئاً لي اكتشافُ أنَّ جدَّتي بحاجةٍ لطرائقِنَا، حتّى حسبتُ أنَّها سرقَتِ الفكرةَ منّا، واستغربْتُ لماذا لم تستشرْنا بخصوصِ حقوقِ الملكيّةِ. توصلتُ لاستنتاجٍ خطيرٍ بعدَ تفكير، أنَّها ربّما المبتكرةُ الأولَى للفكرةِ ونحنُ اقتبسْنَاها وطوّرْناها. تمردُ جدّتي يحاولُ الإعلان لجدِّي أنَّه لا يمكنُه التّخلصُ من ذلكَ الاسم!

تذكّرتُ بوضوحٍ احمرارَ وجهِ جدّي، تذكّرتُه إلى اليومِ، تذكرْتُ تلويحَه بالعكّازِ وتأكيدَه المُكرر ألّا يقربَ أحدٌ البستانَ ولا يناديَه بـ (أبي خالدة)، وتذكّرْتُ أنَّ الجميعَ تعكَّرَ بعدَها والمغادرة أصبحَت تباعاً، كأنما منزلُ جدِّي سوقٌ داهمَتْه الشّرطةُ لتصادرَ بضاعَته. جُرِرْنا من قِبَلِ آبائِنا والسؤالُ الطّفوليُّ غيرُ المُراعِي لخطورةِ اللّحظةِ يلحُّ عليهم أنْ ماذا حدثَ؟ وكنتُ صاحبَ النّصيبِ الأكبرِ من الأسئلةِ ليمنحَني والدِي النّصيبَ الأكبرَ من التّأنيبِ. فرسمَتي على بخارِ الشباكِ أوصلَتْنا إلىْ هنا، وكثيرٌ منْ عبارةِ: لماذا تثرثرُ بكلِّ شيءٍ ولا تمسكُ لسانَك؟!

كلُّ ألغازِ ذلكَ اليومِ لا تُعَدُّ شيئاً أمامَ اللّغزِ الحقيقيّ المُستعصِي على الفهمِ، فالثرثرةُ والتهامُ ما لا أظنُّه يُؤكَلُ لم يكونَا مثيرَين لاستغرابي بقدرِ اللّغزِ الأخيرِ، لغز البستانِ، ولغز الاسمِ الّذي تفاجأَ أبِي كيفَ لم أذكُرْه ولم أتطرّقْ لصاحبتِه، سمعتُه يهمسُ لأمِّي وهوَ يقودُ أنّه سترُ اللهِ وأنّني نسيتُ التحدثَ عن أخطرِ ما يخصُّ زيارتَنا للبستانِ رحمةً بنَا من اشتدادِ غضبِ جدِّي.

رتّبتُ أولوياتِ الألغاز، فأسقطتُ التافهةَ منْ حساباتِي وتشبّثتُ باللغزِ الأكثرَ غموضاً.

ذلكَ الاسمُ، اللغزُ الأكبرُ: خالدة. وأضفْ إليها…أشجارَها.

٭٭٭٭

سألَتْه أمِّي إنْ كانَ سينصاعُ لجدي، لم أستطع قراءةَ الجوابِ في صمتِه، لكنّه خرجَ منَ المنزلِ، ففهمَت أمِّي ولم أفهم. وقفزَ السؤالُ مع قفزاتِي ملحّاً:

  • أينَ ذهبَ بابا؟ 
  • سيحضر أغراضاً للمنزل.
  • لماذا لم يصطحبني لأساعده؟
  • لأن يديه مشغولتان بالفعل ولن يكون متفرغاً لإمساك يدك.
  • لمْ أرَه يحملُ شيئاً.
  • هو شيءٌ لا تراهُ بعدُ، والحمدُ للهِ.

نهضتُ للّعبِ، أصبحَتْ ألعابي تحتوِي بساتينَ وفسيلاتِ أشجار. وأصبحَتْ أسماءُ كلِّ الدُّمَى خالدة، حتّى إنْ كانَتْ دميةَ صبي. وساوسُ الأطفالِ تظهرُ في لعبِهم. حينَ يلعبُونَ جانباً، يفهمُ الكبارُ أنَّ محظوراً يُتنَاوَلُ في اللّعبةِ، فيتركُون لنا العنانَ لنُنَفِّسَ بحريَّةٍ عمّا كبتُوه مُضطرينَ. يعلمُونَ أنَّ الألعابَ تداوينَا من عقد غير محلولة ويتسامحُون معها، فالتّفكيرُ لا يُمنَع والدّماغُ لا بدَّ أن يجدَ ما يفرِّغُ عبرَه وإلا انفجرَ. يسعدُون عندما نتخذُ ركناً قصياً لنلعبَ ونأتيَ على ذكرِ الممنوعِ، فيستدلّون على أنَّ عقلَنا ما زالَ حرّاً وبإمكانِه إنقاذُنا من قوانينِهم التي لا بدَّ منهَا.

٭٭٭٭

توسَّعَ لغزُ خالدة. خرجَ عنِ السّيطرةِ. تبادلت وأقرانِي نظراتِ التفاجؤ وكنَّا نعلمُ ما يدورُ بأذهانِنا دونَ البوحِ به: هل جُنَّ آباْؤُنا؟

كانَ أولَ اجتماعٍ يُعقَدُ في بيتِنا يحضره الكل عدا جدِّي المرعب صاحبِ العكازةِ المُلوّحةِ.

لم يَفُتْهم أنّنا قنابلُ موقوتةٌ. فاصطحبَتْنا عمّتي الصّغرىْ للّعبِ خارجَاً وأخبرَنا عمّي أنّها مكافأةٌ لنا على أخلاقِنا الحسنة، وأكّدَ أن جدّي قادمٌ بعدَ قليلٍ.

ولم نكنْ قد رأيْنا جدّي يدخلُ بمفردِه دونَ جدّتي، فكيفَ يأتي بعدَها؟ 

حاولتُ التقاطَ المتاح من التفاصيلِ لأحلّلَها فيما ألعبُ لعبةَ بستانِ خالدة. لكن لم يكنْ هناكَ شيءٌ يُذكَرُ، فقررتُ الانتقامَ من اختلائِهم ببعضِهم وإقصائِنا، في الحقيقةِ لم أفعل ذلكَ على أنّه انتقامٌ، همْ فسّرُوه بهذهِ الطّريقةِ، هل أرادُوا مع كلِّ هذا التّعتيمِ والتّركيزِ على قضيّةِ خالدة أنْ أنسَاها؟ لو أنَّهم لمْ يرسلُونا في نزهةٍ لما شككتُ إلى هذا الحدِّ، يمنحونَنا نزهةً دونَ ممارسةِ التّقاليدِ الرّسميةِ من بكاءٍ وإلحاحٍ عليهِم ليفعلوا؟  الكذبةُ مفضوحةً بماْ يكفِي لتسلّطَ الضوءَ على الممنوعِ الجديدِ المتضخّمِ والذي انتقمتُ منهم _دونَ علمٍ_ باختراعِ لعبةٍ تخصُّه وتعميمِها على كلِّ الأطفالِ.

شعرَتْ عمَّتِي الصّغرى أنّها تورّطَت لشهودِها لعبتَنا، فكرت فأمسكتْ طرفَ الخيطِ وفهمَتْ أن تركيزَهم على الأمرِ يجمّلُه في أعينِنا فحاولَتْ إغراءَنا من جديدٍ بشراءِ “الفوشارِ” الذي لم يفرقعُوه المرة الماضية ولم توبخْنا لأنّنا نلعبُ لعبةَ بستانِ خالدة ونتظاهرُ بزراعة فسيلاتِ أشجارٍ في رمالِ الحديقةِ الناعمةِ وحولَ الأراجيحِ والزّحلوقاتِ.

معَ الوقتِ فهمتُ أنَّ أبِي الذي ادعَتْ أمّي ذهابَه لابتياعِ الأغراضِ كانَ قد زارَ بستانَ خالدة، وهناكَ حملَ شيئاً رغمَ ثقلِه لا يُرَى، فهمتُ ذلك لأننا منذُ اجتماعِهم أصبحْنا نترددُ على البستانِ ونختلسُ النظرَ لصاحبتِه المنزوية.

عندَ تلك النّقطةِ يبدو أن آباءَنا لم يخشُوا إفشاءَنا للكذبةِ ولا حتّى بزلّةِ لسانٍ، وثقوا بخوفنا من جدي وعكازِه، أيقنوا أن الثرثرةَ تعرفُ حدودَها وتعرفُ أين تتوقفُ ما دامت مُهدّدة بصراخٍ مزلزلٍ ولسعاتٍ بالعصا، حين تُحبَك الكذبةُ وتُحاط بذاك الكمِّ من السّريّةِ والتّوجّسِ يفهمُ الصغارُ جدّيَتَها ويدارُونَها برموشِهم ويُقلِعُون عن تداولِها.

انتقامِيَ العفويُّ بابتكارِ لعبةِ بستانِ خالدة وخوفُهم من سماعِ جدّي لاسمِ اللعبةِ تلاشَى بالتدريجِ بعدمَا أحكمُوا حلقاتِ التّهويلِ والتّحذيرِ من عواقبِ التكلم فيما لا يعنِينا.

كانَتْ أسرَتي وأسر أعمامِي وعمّاتِي تترددُ على البستان بين فترة وأخرى، أفْلَتَ الأبناءُ المتزوجُون من قبضةِ جدّي، لكنَّ جدتِي لم تشاركنا، يستحيلُ فرارُها من قبضته! ظننتُ في صغرِي أن الأجدادَ سجّانونَ يرمونَ الجدّاتِ خلفَ قضبانِهم، استشفّيتُ أنَّها غيرُ سعيدةٍ، وفي بعضِ ألعابِي لعبت دورَ بطلٍ ينقذِها ويأخذُها لتبيتَ في بيتِه، بيتنِا، متغلّباً على الغيظِ الذي تحدِثُه جملتُها حينَ ألتمسُ منهَا المبيتَ عندَنا فتقولُ إنّ جدّي لا يحبُّ الخروجَ من بيتِه وهيَ لا تستطيعُ تركَه، كلّما سمعتُ جملَتَها أضحكْتُها بقولِي العازمِ: سأحرّرُكِ. تظهرُ كلُّ أسنانِها حينَ تضحكُ، حتّى الضّرس الأخير الذّهبي! من هنا بنيتُ استنتاجِي بأنَّها مسجونةٌ عندَ جدِّي وتعيسةٌ معهُ، لم أرَ فمَها معه سوى مغلق ولم ألمح ضرسَها الذهبيَّ أمامَه، تناوِرُ بالكلامِ لتمهّدَ لهُ وتقنعَهُ مثلمَا حدثَ حينَ تعمَّدَتْ مناداتَه أبا خالدة، أو تختارُ الصمتَ وتحاشيهِ، فمُ جدِّي فقط يتحرّكُ، فكّاهُ يزدردَانِ ما يأمرُها بتحضيرِه من طعامٍ، حضَرْتُ له موقفاً قلبَ فيهِ الطاولةَ لأنَّ البيضَ المقلي لم يجفَّ بما يكفِي ليلائمَ معاييرَه، تفاجأتُ لأنّ جدَّتِي طهتْ ثلاثَ بيضاتٍ أخرى دونَ نقاشٍ، حُمْتُ حولَها في المطبخِ وأخبرْتُها أنَّني سأحرّرُها، ولأنّ جدِّي غيرُ موجودٍ أظهرَت سنها الذهبي، جزمْتُ وقتَها أنّني بطلٌ من نوعٍ خاصٍّ يظهرُ هذا السنُّ لهُ فقط.

البيضُ الذي جفَّ وحسبْتُ أنَّ جدِّي لنْ يعترضَ عليهِ لمْ يرقْ لهُ، طالبَها برشِّ مزيدٍ منَ الملحِ كيلا يبدوَ كطعامِ المستشفياتِ حسبَ تعبيرِه.

منذُ وقتِها لم أتذوَّقِ البيضَ، أصبحَ يصيبني بالحساسية بوصفه طعاماً يرتبط بطغيانِ جدِّي!

٭٭٭٭

السّنواتُ المارّةُ تجلُو الغباشَ بنِفَاجِةِ الوضوحِ، كبرْتُ وتراءَت أمامي الحقائق، لغزُ التّحدثِ برفقةِ طرقعةِ الملاعقِ حُلَّ، فحاسّةُ السّمعِ تَقوَى عندَ اجتماع العائلة، لغزُ أقدامِ الخرافِ حُلَّ فالشّهيةُ لدى اجتماعِنا تمكِّنُنا من أكلِ الأخضرِ واليابسِ، وحللْتُ اللغزَ الثالثَ فإدارةُ عدّةِ أحاديثَ ممكنةٌ ما دمنَا ملتفّينَ في الغرفةِ نفسِها نستعيرُ حواسَّ بعضِنا ونصبحُ جسداً واحداً يحملُ مقدراتِ ومواهبِ كلِّ الحاضرِينَ ولذا يكونُ بمقدورِه فعلُ ما لا نفعله منفردين.

الاجتماعاتُ الحميمةُ الدّافئةُ الّتي لم أكنْ أفهمُ كثيراً ممّا يدورُ فيها صنعَتْني شاباً متمسّكاً بأقربائِي، فَهْمُ وتذكُّرُ الأحداثِ ليسَ سرَّ نموّي ونضجِي، لقد كبرْتُ ونضجْتُ بتذكّرِ المشاعرِ وتراكمِها في داخلِي، الحبُّ يكبرُ حين يُقَسَّمُ على قلوبِنا، فقلوبُنا تضاعفُه ثمَّ تعيدُه متكاثراً لنقتاتَ عليهِ.

أمّا اللغزُ الحقيقيُّ الأهمُّ فقد فهمتُه وليتَني لم أفعلْ، الثقيلُ غيرُ المرئيِّ الذي يرفعُه أبِي فوقَ ظهرِه أصبحَ في قبضةِ الإدراكِ، كانَ يحملُ همَّ أسرةٍ لكونِه الشاب الأكبرَ فيهَا وهمَّ أمٍّ يعلمُ أنَّها أسيرةٌ عندَ أبيْه، لم يكن ذاكَ اكتشافِيَ الحصريَّ، كلُّهم مُقرّونَ بأسرها، حاولُوا تحريرَها مثلِي وفشلُوا، يحملُ همَّ خالدة.. المُنشقّة عنْ طغيانِ أبيها، والمعانيةُ بشدّةٍ منْه.

عمّتي خالدةُ، الابنةُ الكبرَى التي نالَت حصّةَ التّعسّفِ وتصَدَّت للقراراتِ الجائرةِ فافْتَدَت بعمرِها بقيّةَ شقيقاتِها، اختلفَ الزمانُ عندمَا جاءَهنَّ الدّورُ، تضاءلَتْ رقعةُ سيطرة جدي، استطَعْن المراوغةَ، لم يحظَيْن بالسّوء الّذي حظيَتْ به، قليلٌ من تمرّدٍ معَ قليلٍ من الخضوعِ عندَ الضّرورةِ نجّاهنَّ من مصيرِها الأسود، إذ كانَت كبشَ الفداءِ الأوّلِ.

زُوِّجَتْ في الرّابعةَ عشرةَ، أُدخلَتْ لحجرةِ رجلٍ ثريٍّ انتفشَ جدّي بمصاهرته، جدّتي ظنَّتْها ستتعاملُ معَ الحياةِ مثلَها وتقفلُ فمَها في حضرةِ الزوجِ و”أغمِضِي عيناً افتحِي عيناً ينتهي العمرُ ولا تحسّينَ بهِ.” أو كماْ منَّتْها جدّتي بالقولِ، لم يكن لديهَا ما تقدّمُه، تزوجَت بالطريقةِ نفسِها وأُسرَتْ عندَ جدِّي وتماشَت معَ حقيقةِ أنَّ كلَّ النساءِ أسيراتٌ، عمّتِي اختلفَت، فمُها لم يُقفَلْ، ظهرَتْ أسنانُها في حضورِ زوجِها، ولم يمانعْ إدلاءَها برأيِها بقدرِ ممانعةِ جدِّي لجدَّتِي، إلّا أنَّه عذَّبَها بفارقِ السّنِّ الهائلِ وزوجاتِه الّلواتي يسبقْنَها وكحّاتِ سعالِه الّتي اتضحَ أنّ عليها التعاملَ معَها ومعَ أمراضِه العديدةِ متخلّيةً عن شبابِها وحقوقِها.

لم ينقذْها جدِّي، لمْ يزرها أو يطمئن عليها، “المرأةُ لبيتِ زوجِها، لا أزورُ الصّهرَ ولا آمرُه كيفَ يعاملُ زوجتَه، طلاقُها مستحيلٌ.” عدمُ إنجابِها بسببِ أمراضٍ عدّةٍ يعانيْها العجوزُ ظهرَ لها كنعمة أحياناً وكنقمة أحياناً أخرى.

في تلكَ الفترةِ كانَ أبي يترددُ عليها فترجُوه أنْ يكتفيَ بزيارتِها في السرِّ ولا يتورط في مساعدتِها فالورطةُ مع جدِّي تجرُّ مكشلات عظمى.

قاومَت وحدَها، خرَّ زوجُها ميتاً، حينَ أنكرُوا عليْها حصَّتَها من الإرثِ فقدَت قدرتَها على الخضوعِ، قصدَت بيتَ جدّي أرملةً فسعى لتزويجِها ثانيةً في لحظةٍ مفصليَّةٍ كسرَتْ فيهَا قيودَها، حاجَجَتْه، صرخَت في وجهِه، الصفعةُ اللّاهبةُ مقبولةٌ مقارنةً بما عانَتْه سابقاً.

راحت تقنع جدتي:

  • خدمتهم لسنوات ولم يوصِ الرجل ألّا أرث، سأوصل القضية إلى المحاكم.
  • يا ويلِي! سيُجَنُّ أبوكِ.
  • لنْ يفعلَ أكثرَ ممّا فعلَ يا أمّي، وثقِي بأنّه لن يجرؤَ على فعلِ المثلِ بشقيقاتِي، سيخافُ أن يقول الناس: كلُّ بناتِه شبَبْنَ عن الطّوقِ، لذا سيلينُ مسبقاً ويزوّجُهنَّ بما يرضِي اللهَ وربّما سيغضُّ الطَّرْفَ عن متابعتهن لدراستهن، سأضعُ حدّاً له وسأحصلُ على ميراثِي، منْ أينَ سأعيشُ وهو يصرُّ أن يكونَ عدوّي ويخطط لدفنِي فيْ قبرِ رجلٍ جديدٍ لأنّنَي ترمّلْتُ مبكراً؟ هذه السّلسلةُ لن تنتهيَ ما لم أقطعْها بمقصِّي، سيظُنُنا سهلاتِ المنالِ ويدوسنا ما لم أتحرَّك.

تخلَّت جدتِي عن أنانيَّتِها، نصحَتْها كيلا تخسرَها، فجدّي بالتأكيدِ لن يسمحَ لهمْ بلقاءِ ابنتِه ما إنْ تنفّذَ ما في بالِها ثم استسلَمَت، لم تُرِد أن ترجوَها فتساهمَ في دفنِها، آمنَتْ أنَّه من الخطأ محاصرة سجين منتفض بمزيد من الأغلال، هيَ لم تنجح في انتفاضتِها دعَت الله أن تُوفَقَ ابنتها وتُفلِتَ من القيود.

عندما ابتهَجْتُ في أولِ زيارةٍ لبستانِها كانَ عليَّ ألّا أتجرأَ وأظنَّه مجردَ بقعةٍ خضراءَ رائعةٍ وصلْتُ إليها بسهولةٍ عندما قاد أبي سيارته، البستانُ الذي تسلّمتُ خميلاتِه لقمةً سائغةً  وراءَه مرارٌ وجهدٌ جهيدٌ بذلَته عمّتي.

ظفرَتْ بحقِّها وقاطعَها جدِّي، لم أعلم عن شخصٍ يُعاقَبُ لنجاحِه في نيلِ حقِّه! زرنَاها كثيراً فيما بعدُ، الأسيرةُ جدَّتي لم تتمكّنْ من زيارَتِها، لمُّ الشّملِ لمْ يحدثْ!

٭٭٭٭

أمَّا عنِ الأشجارِ فقد كانَت عمَّتي كلمَا وصلَها نبأُ ولادةِ أحدِنا تزرعُ شجرةً وتسمِّيها باسمِه، لم يكن لقاؤُنا قد أتيحَ لها بعدُ فرعتنا برعايتها أشجارَها، كُتِبَ اللقاءُ فجمَعَني بعمَّتي وبصديقٍ غيرِ مُتوَقَّعٍ أحبَبْتُه يتمثّل في شجرةٍ أبهرني أنَّها تدعَى “شافع”، الدّافعُ للعنايةِ بها أصبحَ أكبرَ، كأنّما أسقي نفسِي، كأنَّما بنموِّها أرانِي بعينَيّ أكبرُ، وكذَا كانت مشاعرُ أقرانِي تجاهَ أشجارِهم، الغريبُ أن الشيءَ الوحيدَ الّذي رضيْنا بتوزيعِه علينا دون شجار لنحظى بنصيب غير نصيبنا هيَ تلكَ الأشجارُ، رضينا بهَا بشكلٍ مبهَمٍ، ومبهِجٍ!

٭٭٭٭

الفكرةُ مخيفةٌ، المخيفُ بشدّةٍ أنَّها صحيحةٌ، لم ينطقْ بهاْ أحدٌ، لكنَّها كانَت الأكثرَ نطقاً وقوّةً في أذهانِنا، أنوارُ تجرّأتْ أخيراً وهتفتْها فيمَا نتشابكُ يديْنَا ونتمشّى تحتَ سنا القمرِ:

  • بكلِّ صدقٍ وأسفٍ.. ما لم يمُتْ جدِّي فلن تلتقيَ جدَّتي وعمَّتِي، لم أكنْ لأقولَها لسواكَ، لكنَّها عالقةٌ في زَوْرِي، سأختنقُ.
  • سلامتُك.. ولكنَّ هناكَ ما لا أفهمُه، جدِّي لم يعدْ مسيطراً وواعياً بكلِّ ما يحدثُ حولَه، ألَا يمكنُ لجدّتِي لقاؤُها دونَ علمِه؟
  • أتذكُرُ أنَّنا رغمَ صغرِنا ومنْ شدّةِ خوفِنا لم نذكرْ زياراتِنا لعمّتِي أمامَه؟ هذا الخوفُ رميناه وراءَ ظهورِنا لم تتخلصْ منهُ جدتيْ، ما زالَتْ تعيشُه.

هززْتُ رأسِي موافقاً على تحليلِها، مضيْنا ولفَفْنا عباءاتِ التّناسي لنواريَ سوءةَ التجرُّؤِ على البوحِ بحقيقةٍ حسّاسة وهيَ أنّ موتَ جدّي ضرورةٌ لتلتقيَ عمّتيْ بأمِّها، قلبه لن يرق، يئسنا.

٭٭٭٭

قضى جدِّي لكنْ بدَا من مدى إرهاقِ جدّتي أنَّها الميتة، أنها فَنِيَتْ، درَجْنَا على وصفِ النعسانِ المُكابِرِ المنجز لمهامه رغماً عنه بأنَّه نائمٌ علىْ الواقفِ ويصحُّ لوصفِ جدّتي أنّها ميتةٌ على الواقفِ!

ظهورُ عمّتي أنعشَ الرّوحَ الظّمأَى، لكنَّ الجسدَ بقيَ ذابلاً، لمْ أرَ عناقاً مثلَ ذاكَ، امتزجَ حدادُ الموتِ بفرحةِ عيدٍ يُسمَّى عودةَ خالدة، شهقاتُ البكاءِ ترافقُها صيحاتُ السّعادةِ، لم يكنْ ضحكاً، فاتَ منَ العمرِ جلُّه، استحكمَ الندمُ على آلافِ الأخطاءِ، سُعدُوا باللقاءِ فصاحُوا، لم يضحكُوا، أُعيدَ الطيرُ المُهجّرُ للسربِ بعدَ تراخِي جناحيْه وفقدِه شهيّةَ الطيران، تكلّفَت عمتِي وجدتِي الابتسامَةَ فيما بعدُ، مثّلتَاها، انضمَّتْ عمتِي لجوقةِ العزفِ بالملاعقِ في حفلِ عقدِ قرانِي على أنوار، باركَت لنا بحرارة، مالَت عليَّ أنوارُ تهمسُ: تبدوْ فرحَةً، ظننْتُها ناقمةً على الزّواجِ، فهيَ لمْ تتزوجْ بعدَ زوجِها. “رادارُ” أُذنَي عمّتِي قبضَ على الهمساتِ السّريةِ فأجابَتْها: لا أكرهُ الحبَّ، لكنني لمْ أشأْ تكرارَ التَّجرِبةِ، افرحَا، لا تُفوِّتَا السعادةَ، هناكَ أوانٌ لا تنجحُ بعدَه السّعادةُ ما لمْ تتحققْ سابقاً.

بهذا يُفسَر فشلَها وفشلَ جدتِي في عيشِ فرحٍ حقيقيٍّ. 

كانتَا ترتجفانِ من صورةِ جدّيَ المعلّقةِ في صدرِ المنزلِ، وكنتُ ما أزالُ أكرهُ البيضَ!

أحدُنا يجبُ أنْ يتجرَّأ ويقتلعَ الصّورةَ، فعلَ أبِي، سكنَ ارتجافُهما، بدأتُ أشتهي البيضَ ولا آَنَفُ رائحتَه لدرجةِ أنّني تجرأت وتناولتُه.

٭٭٭٭

أفزعَنِي فارقُ المشهدَين! البرودُ فيْ عزاءِ جدّي، النحيبُ فيْ عزاءِ جدَّتي، الاحتفاظُ بكلماتِنا بعدَ مماتِه، والدعاء لها بعدَ مماتِها، أنْ تكونَ عباراتُنا: “سامحَه اللهُ” لحظةَ موته، و”كيفَ سنعيشُ بعدها” لحظةَ موتها، رحيلانِ لا يشبهان بعضهما، ميتانِ أمضيَا حياتَهما معاً ورحلَا دونَ أن يتماهيَا أو يحملَ أيٌّ منهمَا من صفاتِ شريكِه، لمْ تقسُ جدّتي، لمْ يُصَبْ بعدوىْ الرَّأفةِ جدّي، برزخٌ فصلَ شخصياتِهما، لم تلتقِ الرحمةُ والطّغيانُ، مشيَا في طريقيَن لم يلتقيَا ولم يتوازيَا.

عندمَا أطفأَتْ جدّتي شمعةَ أنفاسها وانتقلنا مباشرةً من مناقشةِ العمليَّةِ الجراحيةِ إلى مناقشةِ ترتيباتِ الدَّفنِ والعزاءِ في أسرعِ انتقالاتِ الحياةِ حدوثَاً قال عمي بأن القبرَ الوحيدَ المتوفرَ هوَ قبرُ جدّي، نهضَتْ عمَّتي، كمَن ينتظرُ اللحظةَ مستعداً بردّ لن يُرفَض:

  • لنْ أدعَها تنزلُ على قبرِه!
  • يا ليت، لكن القبور باهظة.
  • منذُ حكمتِ المحكمةُ لي ببستانِ زوجِي وأصبحَ ملكِي لجأتُ لأسرةٍ ثريَّةٍ عرفتُها خلالَ ما قاسيتُه، بعتُهم البستانَ لأشتريَ قبراً لأمِّي فقد تخيلتُ أن هذا سيحدث، المشتري الشهم رآني بعْتُه لأشتريَ قبراً فطلبَ منّي البقاءَ مؤقتاً، وكلّما حاولتُ الخروجَ استبقانِي، حتّى بحتُ له بالموعدِ لأنّه كانَ يرفضُ خروجِي: سأخرجُ عندما تموتُ أمّي!

معَ رهبةِ الموتِ إلَّا أنَّ عباراتِها نفذَت في أعماقِنا واتَّشحَتْ رهبةً لا تقلُّ عن رهبتِه،  الأشجارُ المسماةُ بأسمائِنا وجنباتُ البستانِ واجتماعاتُ الضَّحكِ واللَّعبِ بدونِ جدَّتي كانَ مقابلَها قبرٌ سيعادلُ في نظرِها البستانَ، حريةُ ركضِنا هنا وهناكَ وخلوُّنا من ابتساماتِها وافتقادُنا لسنِّها الذّهبيِّ لم يؤلمَاها، اكتفَتْ بكونِنا سعداءَ وأرضَاها فرحُنا، كأنَّها شعرَتْ  أنّها موعودةٌ بفرحتِها في قبرٍ أهداهَا إيَّاهُ البستانُ، كأنَّني أسمعُها تقولُ: سأنضمُّ لجمعتِكُم، سألحقُكم بفارقٍ زمنيٍّ، سأشعرُ بكلِّ ما شعرتمُوه وأنتم بعيدُونَ عن سلطتِه عندمَا أُدفَنُ في قبرِي الذي أتخيَّلُه أرضاً براحاً ما دامَ يبعدُني عنْه.

لم تعلم جدَّتي قبلَ موتِها بأمرِ القبرِ، تخيلتها تقول ذلك ولم تكن لتقول غيره كما لم تكنْ لتنسَى معاتبةَ خالدة لمساواتها بينَ بستانٍ وقبرٍ.

زرْنا البستانَ بعد دفن جدتي ألقيتُ النظرةَ الأخيرةَ على أشجاره واقتَلعتُ نفسِي منه، الاقتلاعُ صحيحٌ لا المغادرةُ، لأني لا أغادر عن طيب خاطر، لا يصحُّ لوصفِ حالتِي سوى الاقتلاعِ!

٭٭٭٭

هكذا كانتِ العائلةُ داءَنا ودواءَنا، عطشَنا وارتِوَاْءَنا، دموعَنا وضحكاتِنا، وهكذَا أنقذَتْ عمَّتي أمَّها.

تشدّقتُ بأنّني سأحررُ جدّتي لكن تحريرها احتاجَ نوعاً خاصّاً منَ الأبطال، وكانت البطلة خالدة.

٭٭٭٭

المطرُ غزيرٌ خارجاً، التّلاصقُ في الغرفةِ يُحدِثُ الدفءَ، طرقعةُ الملاعقِ تتصدّرُ المشهدَ، ابني الصّغيرُ وأبناءُ أبناءِ عمومَتِي يتسلّلونَ للخارجِ، أتخذُ قراراً بالتسامح معَ رفضِهم لأقدامِ الخرافِ وأفرقعُ لهمُ “الفوشارَ”، أعلنُ أنَّ الجلسةَ برعايةِ كرتونِهم المفضّلِ، نلتفُّ ككبارٍ لنشاهدَ معَهم فنضحكُ أكثرَ منْهم!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إقرأ أيضاً: خارج كورسيه الجمال

اترك تعليق