التكافل الاجتماعي في حوران

 أسامة المقداد

“نَفَس الرجال بيحيي الرجال” عبارة شعبية دارجة على لسان أهالي منطقة هضبة حوران ، وهي مثل يراد به التعبير واقعياً عن قيمة التعاون والتعاضد في الشدائد والمحن، وكيف يمكن لهذا التعاون والتكافل أن يشحذ الهمم لتجاوز المشاكل والصعوبات التي تواجههم.
ويمكن القول أن هذا التعاون وهذا التكافل من طبيعة أبناء المنطقة، ويعبر عن نفسه كأسلوب للحياة الريفية، إذ يرتكز على الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، التي تعتبر من دون شك جزء أساسياً من سلوك المواطنة.
..
قديماً في أيام ما يعرف بالسفر برلك حدثت مجاعة كبرى في سوريا بين عامي ( 1915 م ، 1918م ) وكانت حوران بسهلها وجبلها أنموذجاً فريداً في التكافل الاجتماعي. في تلك الأيام وبسبب ظروف الحرب العالمية الأولى فقدت مادة القمح وارتفعت أسعاره بشكل خيالي /وصل سعر” مد القمح ” في تلك الأيام إلى ليرتين ذهبيتين/ مما استدعى أهالي حوران الى فتح مخازن الحبوب أمام النازحين إليها من مختلف أنحاء سوريا والذين بلغ عددهم ما يزيد عن 75 ألف لاجئ.

واليوم ونتيجة الأحداث الدامية التي شهدتها سوريا بعد العام 2011 م والتي لاتزال تداعياتها مستمرة، فقد كان لحوران النصيب الأكبر فيها وكان لزاماً على أهلها أن يحافظوا على تكاتفهم وأن يعززوا العلاقات فيما بينهم بشكل أكبر لمواجهة ويلات الحرب العسكرية والاقتصادية التي عصفت بهم. فمع بداية الاحتجاجات في درعا والتي بدأت تتحول إلى مواجهات عسكرية مع مرور الوقت. لم يجد أهالي درعا أمامهم إلا النزوح من مدنهم وقراهم التي اشتدت فيها المواجهات المسلحة إلى مدن وقرى أخرى أخف وطأة من مدنهم وبلداتهم ، بينما اختار القسم الآخر منهم النزوح خارج حدود محافظة درعا فكانت وجهة معظم الأهالي الفارين من ويلات الحرب إلى جارتهم السويداء ، التي لم يتوانَ أهلها عن فتح قلوبهم قبل أبوابهم أمام أشقائهم.
فقد استقبلت السويداء عشرات الآلاف من أبناء درعا المهجرين، الذين وجدوا في أهالي السويداء الحضن الرحب والضيافة التي اشتهروا بها وما تزال عائلات كثيرة من درعا ( حتى بعد ما يعرف بالمصالحة ) مقيمة في مناطق شتى من محافظة السويداء.
وفي منتصف عام 2018 م وبعد ما يعرف ( بالمصالحة بين القوات الحكومية وأبناء حوران ) خفت النزاع المسلح ليطفو على السطح تدهور الوضع الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد والتي كان لحوران بسهلها وجبلها نصيب منه. فالحياة الاقتصادية التي بدأت بالتهالك مع بداية الاحتجاجات تسارعت بالانهيار بعد عام 2018 م كنتيجة طبيعية للأحداث التي عصفت بالبلاد منذ مطلع 2011 م ، وكان لزاماً على أهل حوران أن يجدوا الحل لانتشال بعضهم البعض من مستنقعات الحرب الاقتصادية التي ألمت بهم فوجدوا ضالتهم في التكافل الاجتماعي الذي كان سبيلهم الوحيد في تجاوز المحن والتخفيف من وطأتها.
تنوعت أشكال التكافل الاجتماعي بين مبادرات مجتمعية محلية أطلقها أبناء حوران تهدف إلى مساعدة المواطنين لبعضهم البعض بعيداً عن كل الظروف المحيطة والحالة المعيشية المأساوية التي وصلت إليها البلاد. ومن أمثلة تلك المبادرات تنظيم حملة تبرعات في بلدة ” خربة غزالة ” تجاوزت80 مليون ليرة سورية ، وذلك بهدف تحسين واقع المياه فيها وحفر آبار جديدة، واستصلاح الآبار الجافة ، واستجرار المياه للشبكة الخاصة في البلدة . كذلك قام أهالي بلدة “علما ” بإطلاق مبادرة مع بداية شهر رمضان الماضي لمساعدة الأسر الفقيرة في البلدة ، حيث تم جمع مبلغ 60 مليون ليرة وتوزيعها على تلك العائلات . وفي شهر كانون الأول عام 2020 ، قام أهالي بلدة ” الغارية الشرقية ” بجمع مليار ليرة سورية لترميم مشفى ” الإحسان ” الذي دمرته آلة الحرب العسكرية عام 2018 م . وكذلك قام أهالي مدينة ” نوى ” بجمع مايقارب 80 مليون ليرة لترميم مشفى نوى الوطني . وفي آذار / 2021 م قام ناشطون من السويداء بإطلاق مبادرة ( مد قمح ) وتم خلالها جمع 40 طن من القمح وتوزيعها على المحتاجين . وغيرها الكثير مما لا يتسع المجال لذكرها.
ولا ننسى في هذا السياق ما قدمه ابناء حوران في المهجر ( وهم يشكلون نسبة كبيرة قياساً بباقي المحافظات السورية ) إذ كانوا اليد العليا في مساعدة أقاربهم وأصدقائهم والمحتاجين والأيتام من غير ذويهم . وبطبيعة الحال من غير المستطاع ذكر جميع المبادرات لكن قد نذكر ( ج . غ) ابن درعا والمغترب بالخليج كمثال فقط جدير بالذكر حيث قام منذ سنوات بكفالة 20 عائلة (من محافظة درعا ومن خارجها ) مخصصاً رواتب شهرية لهم حتى اليوم.
احدى هذه العائلات كانت سيدة من مدينة السويداء ترملت، وتهجرت من حلب إلى جرمانا تكفل بتأمين بيت اجار وتخصيص راتب شهري لها، بالإضافة إلى تكفله بتكاليف إجراء أربع عمليات جراحية لابنتيها اللتين تعانيان من مشاكل بصرية.
ولعل من أجمل صور التكافل الاجتماعي كان في المجال الطبي، فهناك العديد من الطبيبات والأطباء في كل من السويداء ودرعا الذين نذروا أنفسهم حرفيا لعلاج المرضى إما بالمجان، أو بأسعار رمزية جدا للعاجزين عن دفع تكاليف العلاج ، ناهيك أن بعض الطبيبات والأطباء كانوا يأمنون تكاليف العمليات الباهظة بأسعار رمزية أو بالمجان للفقراء وذلك عن طريق تواصلهم مع الجمعيات الطبية الخيرية، أو جمع مبالغ مالية للعمليات الباهظة من خلال علاقاتهم مع الميسورين من أهل حوران. وفي ذات السياق وفي ظل جائحة كوفيد19 ، وغياب التجهيزات الحكومية للوقاية منه ، تم في حوران العديد من الحملات المحلية كان أبرزها في ” بصرى الشام “، حيث تم جمع مبالغ كبيرة وصلت إلى 200 مليون ليرة كتبرعات وتم شراء أدوية وأجهزة واسطوانات أكسجين.
ولعلنا بالنظر إلى عدد المبادرات الكبيرة خلال السنوات الماضية نستطيع القول بأنه أكثر من ساعد السوريين هم السوريون أنفسهم. وبأنهم – فعلاً لا مجازاً – خير من طبق مقولة (نَفَس الرجال…بيحيي الرجال)

اترك تعليق