السلطة وواقع المرأة في سورية

ثمةَ حدث كبير، هو لحظة الثورة 2011. حدثٌ فارق يقطع ما قبله عمّا بعده في التاريخ. والسؤال هل الـ ما بعد ينهي الـ ما قبل؟ ربما، ولكن ونحن في 2023، نستطيع رؤية ما جرى، بينما حينها، كانت أهداف الثورة تتضمن المساواة بين المرأة والرجل. حيث لا يمكن الانتقال إلى النظام الديموقراطي، دون أن تكون مبادئ المواطنة هي المرجعية للدستور. وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة في الدستور وفي القوانين. كان هذا ــ لن أقول من الأمنيات ــ بل من البديهيات.

من البديهيات إلى الأمنيات

ما كان بديهياً في عام القطع، أي دخول المرأة في كافة نشاطات الثورة؛ التظاهر، الإغاثة، الإسعاف، التنسيقيات، والمشاركة بتنظيم المظاهرات وسواه. في عام 2011 و2012، وبروز رأي شعبي عام لإنصافها ومساواتها بالرجل. أصبح لاحقاً من الأمنيات، مع تأخر سقوط النظام، وانتهاجه الخيار الأمني والعسكري، وتَشكُل فصائل عسكرية معارضة. سرعان ما ورثتها فصائل عسكرية إسلامية، سلفية وجهادية، تسبب في تراجع مستمر لمشاركات المرأة خلال الأعوام اللاحقة. حتى وصل الأمر لخروجها من المشهد بشكل شبه كامل. إنّ هذه النتيجة، أنهت أهداف الثورة، ومعها كل فكر وممارسة مساواتية. وتأسست رؤية وممارسات ذكورية بامتياز، تستند إلى المرجعية الدينية. وهذا لم يكن مقتصراً على طائفة واحدة، بل على أغلبية نساء سورية. والاستثناء المتعلق بالفئات العلمانية أو بالنساء المناضلات من أجل مساواتهم، لا يلغي تلك النتيجة. بل يؤكدها، وبذلك صارت الفعاليات المناهضة للنظام ذكورية بالكامل. وصارت رؤاها بخلاف أهداف الثورة، وراحت تشكل سلطاتها الدينية؛ جيش الإسلام، جبهة النصرة، وسواها.

ما أصبح عليه واقع المرأة بعد العسكرة والتطييف، أنّها أُعيدت إلى المنزل، وعقلية المُلحَق. الوضعية التي كانت تعيشها قبل عام 2011. ولكنها أصبحت أسوأ بعد القضاء على الثورة بشكلها السلمي والمدني. وتردي مؤسسات الدولة. هنا لا بد من توضيح، أنّ حراكاً نسوياً كبيراً كان قبل 2011، يستهدف مساواة المرأة بشكل كبير في القوانين، وإلغاء جرائم الشرف، وحقها بإعطاء أولادها الجنسية، وإلغاء المحرم أثناء السفر، وسواه. تم إجهاضه من قبل النظام، عبر التحايل على القوانين واصدار التشريعات المجتزأة. كأن يعدل جزئياً قانون جرائم الشرف مثلاً، فيعتبرها جرائم قصد وعمد، ويتجاهل البقية؛ المقصد هنا، أنّ المرأة لم تنل حقوقها بالمساواة رغم نضالها حينذاك.

إنّ الأوضاع المتردية، الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك موت ألاف الرجال في الحرب، أو تهجيرهم أو هجرتهم استدعت عمل المرأة. ولكن، ومع أنّ ذلك يفترض دوراً أكبر للمرأة، فإنّ الأمر لم يتحقق، وظلّت وضعيتها وممارساتها تنطلق من كونها الأقل بالحقوق وبالمكانة وبالأجر. الفكرة هنا، أنّ دخول المرأة سوق العمل أو الشأن العام، وتحملها تدبر شؤون المنزل واحتياجات الأسرة، تستدعي وعياً مساواتياً لدى المرأة والرجل والمجتمع بعامة، ولكن ذلك، لم يتحقق بسبب استمرار السياق الثقافي الديني والاجتماعي والسياسي. المتمثل بسيادة الذهنية التمييزية، والإقصائية، والنزعةالذكورية، الرافضة لحقوق المرأة ومفهوم المساواة، وبالطبع لا مصلحة لفئات مجتمعية واسعة ــ في ظل هذا السياق ــ بتبني أفكار المساواة، التي من شأنها إحداث تغيير بنيوي حقيقي عل صعيد القوانين والتشريعات وهياكل الحكم المحلي. تضمن تمثيلا حقيقياً وفعالاً للمرأة.

وهذا سيظلّ تناقضاً قائماً، بين النساء وفئات اجتماعية متعددة، ترى بأنّ من حق المرأة المساواة. نظراً لدورها الاقتصادي والاجتماعي؛ الشديد الواقعية، وبين فئات تتمسك بالرؤية الثقافية الدينية والاجتماعية المحافظة، والمعادية من حيث الجوهر لمكانة ودور وحقوق المرأة.

صوت المرأة وحده لا يكفي

لماذا لا تثور المرأة، لماذا لا ترفض الخنوع، لماذا لا تدافع عن حقها في المساواة؟ هذا سؤال دقيق؟ سنحاول هنا مقاربة الأسباب الفعلية: لا ينتج الوعي بالمساواة دون مجتمعٍ ينادي به؛ أحزاب، منظمات، سلطة تؤكد على المساواة، وتُغيّر القوانين والدستور وفقاً لهذه القيمة. وكذلك وجود الدولة المستقرة الساعية نحو الحداثة. إنّ غياب كل ما تم ذكره، إضافة إلى تفكك الدولة، وتعدد سلطات الأمر الواقع، وتسييس الهويات الدينية (القروسطية)؛ كل ذلك، يدفع نحو تسلطٍ ذكوري فظ، يُخمد كل محاولات المرأة والنساء بعامة، الوصول إلى حقوقها. وبطبيعة الحال فإن تراجع الدولة، وتعدد السلطات، سيفضي إلى تقوية المرجعيات التقليدية، الاجتماعية والدينية على اختلاف أشكالها، والتي تعود للانطلاق في فهم الحياة من عقائدها القديمة الخاصة والضيقة. والتي هي بالأصل عقائد قائمة على التمييز على أساس الجنس، وبالمقابل حينما تَقوى الدولة تتراجع هذه المرجعيات، وتتراجع أكثر حينما تبدأ بالسير بعملية التحول الديمقراطي استناداً إلى مبادئ المواطنة، والتي تتضمن بالضرورة المساواة الكاملة.

إذن، فقد عادت المرأة السورية (بعد عام 2013 بشكل خاص)، إلى وضعية اجتماعية، اقتصادية، وسياسية متردية. وليس من حقوقٍ مساوية للرجل بالطبع في السنوات الأخيرة، وهذا يطرح سؤالاً عن دور كافة المنظمات العاملة في قضايا المرأة والمواطنة، وتعميم المنظور الجندري في العمل المؤسساتي بالعموم، التي لم تتوقف عن النشاط، ولنقل ما زالت تعمل في بعض المدن السورية. المقصد هنا، إنّ تلك المنظمات، لن تتمكن وحدها من إيجاد وعي مساواتي، كما ترغب، ولا يمكنها أن تغيّر الوضعية المتردية، التي تتعاظم فيها العقلية الذكورية، والولاءات الاجتماعية المحافظة، وهي الشكل السائد في مجتمعاتنا. إنّ الوصول إلى المساواة في سورية وسواها، لن يحصل قبل تحقيق تغيير سياسي، يؤدي إلى تغيير في البنية القانونية للدولة، ويفرض، وبقوّة القانون، منظوراً جديداً لحقوق المرأة، ومساواتها الكاملة مع الرجل؛ وفي هذا الموضوع لدينا مثال عن وضعية المرأة في تجربة الإدارة الذاتية “الكردية” فهل تغيرت مكانة المرأة رغم كافة محاولات الادعاء بأنها تتبنى المساواة الكاملة في كافة مؤسساتها السياسية والعسكرية؟

الواقع قابل للتغيير

واقع المرأة

هل من إمكانية لتغيير الثقافة العامة وجعلها متقبلةً لمفاهيم المساواة بين الجنسين، ولقضايا الأدوار الجندرية؟ أولاً، هذا يحدث ببطء شديد، ويحتاج إلى واقع مستقر. ودولة تتبنى توجهات حداثية عامة، وليس فقط تجاه حقوق المرأة. وهو ما كان يتجه إليه المجتمع السوري في 2011، وما كان يتجه إليه في الخمسينات والستينيات، ما بعد الاستقلال، حيث كانت الأكثرية المجتمعية، إضافة للدولة ومؤسساتها، تتبنى رؤى حداثية؛ ولكن كل ذلك قضى عليه الاستبداد بدءاً من انقلاب البعث عام 1963، وصولا لترسيخه عام 1970، حيث أُعيد تأسيس المجتمع على أسس هوياتية ماقبل وطنية (دينية وعشائرية ومناطقية)، وضمناً تردى واقع المرأة وانتُقصت حقوقها، وكافة نضالاتها، فمنذ ذلك الوقت لم يتح لها أن تسافر دون محرمٍ مثلاً، أو أن تعطي الجنسية لأولاها إن كان زوجها ليس سورياً، والأمثلة كثيرة.

الواقع السوري الراهن في غاية التعقيد بلا شك. وتتحمل شريحة النساء أعباء إضافية فرضتها ظروف الصراع الطويل، وتداعياته. ولكن مع ذلك، الواقع قابل للتغيّر، وتلك السلطات، أصحبت مكروهة وبقوّة من الأغلبية السورية، وفي كل المناطق، وبالتالي، هناك إمكانية لواقع جديد، تقودها بالدرجة الاولى الرغبة الكبيرة في التغيير. ولكنه لا يتحول بسهولةٍ إلى واقع عام، ويظلُّ نخبوياً أو مقتصراً على بعض الفئات. لكن يمكن لمس إمكانية ذلك التغيير، من الرغبة “العارمة” عند قطاعات واسعة حينما يكون النقاش دقيقاً عن حجم الإساءة والانتهاكات التي قامت بها سلطات الأمر الواقع في المجتمع عامة.

الرغبة كبيرة والطاقات المجتمعية كثيرة. ولعل المثال الأقرب اليوم، هذا الدور المركزي للمرأة في انتفاضة السويداء، الذي يزداد قوّة وحضوراً مع دخول الحراك الشعبي السلمي شهره الثالث.

 إنّ تغيير واقع المرأة في سورية، ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب الكثير من الجهد الفكري، والرؤية الواقعية للسياقات المختلفة، ويتطلب مناخاً مفتوحاً، يتيح النقاش الحر للآراء المتعددة. لابد من خلق سياق جديد، يتجه فيه المجتمع نحو الانتقال الديموقراطي الذي يضمن تمثيل حقيقي للمرأة في كافة مؤسسات الدولة، وهياكل الحكم المحلية. وأيضاً في المجتمع المدني والسياسي على السواء. 

اقرأ أيضاً ماذا لو كانت المرأة ربع المجتمع

اترك تعليق

الكاتب

اقرأ أيضا

تابعنا

شارك المقال