السويداء العطشى .. هل تجلب وعود الدعم والمحاسبة الغيوم الماطرة


وصل سعر البرميل الواحد من المياه الصالحة للشرب في محافظة السويداء إلى ألف ليرة سورية، وهو استهلاك الفرد الواحد في العائلة باليوم. حيث تعد أزمة المياه “استراتيجياً”؛ الخطر الأكبر على أهالي الجبل قبل أزمة الفلتان الأمني والسلاح العشوائي والمخدرات، كون هذه المشاكل مربوطة بسلة واحدة، ويمكن علاجها جذرياً في حال توفرت الإرادة.
وتعود هذه الأزمة لعشرات السنين، دون أن تحاول الحكومات المتعاقبة إيجاد حلول كلية لها، واقتصر عملها على الحلول الجزئية لمحافظة تعوم على بحر من المياه العذبة، والتي تصل جيولوجياً إلى الأردن وفلسطين المحتلة دون أن يستفيد منها السوريون إلا قليلاً. وهو ما وضع المسؤولين في خانة الفساد؛ تلك الكلمة التي باتت شائعة تاريخياً، وصنع من أجلها مديريات ودوائر وموظفين وقوانين خاصة، لكن عملهم اقتصر كما كل الملفات على ملاحقة البسطاء والموظفين الصغار.

المؤسسة الأقوى إدارياً في سورية

على الرغم من وجود مديريات للزراعة والري؛ اللتان لهما آبارهما الخاصة، إلا أن مؤسسة المياه تبقى الأقوى على الإطلاق، ويبقى مديرها أكبر من المحافظ نفسه، كونه مستقل مادياً وإدارياً، وهي قاعدة معروفة في البلاد. ولهذا فإن أي مشروع يخص مياه الشرب هو اقتراح وتنفيذ المؤسسة، والمسؤولة عن تمويله من الألف إلى الياء، ومن هنا يبدأ الفساد أو النية فيه؛ طالما أن كل ما يتعلق بالمشروع بين أيدي العاملين في المؤسسة، ويقتصر دور الرقابة والتفتيش في تنقية ملف أي قضية طالما أن المعلومات والأدلة التي بحوزتها سليمة لا غبار عليها. والمشكلة الأساسية أن الموظفين الكبار في المؤسسة يبقون في أماكنهم حتى التقاعد وهم مطمئنين أنهم بعيدون عن المحاسبة، بل قادرون على الكثير بحكم قوتهم المادية.
كل هذا دفع الناس في أكثر من مكان للاحتجاج السلمي، والمطالبة الدائمة بالمحاسبة، فقطعوا الطرق في قرية “نمرة”، وأوقفوا الصهاريج في “دوما” و”شقا”، وحاصروا مؤسسة المياه بعد أن ملوا الوعود بالمحاسبة، وتركوا الأمر معلقاً بعد تدخل المحافظ. وكان آخر الاحتجاجات عند زيارة وزير الموارد المائية إلى المحافظة، فاستمع بشكل واضح لأحد نشطاء المجتمع المحلي الذي قال له إما الماء والمحاسبة العاجلة أو النزول إلى الشارع( 1).
….
قصة الآبار الارتوازية

قبل العام 1999 كانت الآبار الارتوازية معدودة على الأصابع، حيث كان الأهالي يعتمدون على السدود وعلى المياه القادمة من المزيريب التي بقيت تمد المحافظة حتى بداية الحرب. ودأب الناس على تخزين المياه في الآبار طوال الشتاء، بينما كان عدد الآبار الارتوازية في محافظة درعا ما يزيد عن الألفي بئر غير الآبار غير المرخصة والسطحية، فيما كانت الحجج جاهزة بأن حفر الآبار في السويداء مكلف وغير مجد.
وجاء حفر بئر “الجنينة” بالصدفة البحتة؛ إثباتاً فعلياً على كل الادعاءات السابقة التي جعلت السويداء وأهلها يعيشون العطش وينتظرون السماء. وكرت سبحة الآبار لتشمل عمل مديرية الري التي منحت المال لحفر 100 بئر ارتوازي مخصص للزراعة سميت حينها بآبار المكرمة، ومرت سنوات شعر فيها الناس بالبحبوحة المائية لأول مرة في تاريخ سكنهم الجبل، فانتشرت المشاريع الزراعية، وحصل نوع من الاكتفاء الذاتي الذي نغصه الأعطال الدائمة للآبار، لتصل الأعطال في الأشهر الماضية إلى ما يزيد عن مائة بئر دفعة واحدة من أصل 250 بئراً. (وهو إحصاء غير رسمي بسبب عدم الشفافية من قبل المؤسسة بإعطاء أرقام حقيقية. كما أن المؤسسة تقوم بصيانة بعض الآبار وتخرج أخرى عن الخدمة، ولذلك فالرقم يتبدل).
مقابل هذه الثورة في حفر الآبار، راح عدد كبير من المواطنين يحفرون الآبار السطحية، ومنهم من رخص لآبار ارتوازية عميقة، والملاحظة التي تجعل تهمة الفساد ثابتة على القائمين بأعمال الرعاية للآبار العامة في عدم توقف الآبار الخاصة عن العمل وعدم خروجها من الخدمة، وفي حال وجود أي عطل فإن الإصلاح يتم بسهولة داخل المحافظة بأسعار عادية ودون الحاجة لملايين الليرات كما هو واقع الحال مع الغواطس. وهو ما برره مدير مؤسسة المياه أن آبار المؤسسة عميقة وعطلها أكبر بكثير من عطل آبار المواطنين ذات الأعماق العادية.
….
أسباب خروج مجموعات الضخ عن الخدمة

اكتشف عدد من الناشطين في المجتمع المحلي عدداً من الآبار الجاهزة للعمل في أكثر من موقع، ولكن المؤسسة أبقتها متوقفة لحجج واهية أهمها عدم الأمان، وتركت المواطنين القاطنين حولها يصارعون من أجل الحصول على ماء للشرب، لكن هؤلاء الناشطون لم يتوقفوا عن البحث والتنقيب وراء شح المياه، ووصلوا لنتائج مهمة، وأودعوها لدى أجهزة الدولة المختصة التي وعدت بالحلول الجذرية، لكن حتى كتابة هذه السطور لم يحدث شيء.
ومن الأسباب التي قدمها الناشطون بعد استشارات دقيقة من مختصين وموظفين في المؤسسة نذكر:
١- شراء مجموعات ضخ ( مضخة + محرك) رديئة الصنع لغاية الربح، لأن شراء مضخات بجودة منخفضة تعطي ربحاً أعلى من شراء مضخات ذات جودة عالية
٢- شراء تجهيزات مرافقة لمجموعات الضخ (مثل البواري + اللوحات الكهربائية وكابلات) رديئة الصنع.
٣- شراء بواري رديئة الصنع بطول 5000 م بعقد لمتعهد يدعى “ر ه” تحت اسم “ظ س” (تابع لنفس المتعهد) أدى إلى سقوط مجموعات الضخ في الآبار وتخريبها. وتكررت هذه الحوادث مرات عدة، وآخرها سقوط مجموعات الضخ في بئر “بارك”.
4 – الأخطاء الفنية الكثيرة المرتكبة في تركيب مجموعات الضخ والتجهيزات المرافقة من لوحات التغذية الكهربائية والتحكم والكابلات.
5- انخفاض التوتر الكهربائي، حيث يوضح الخبراء أن هناك الكثير من الطرق الفنية لمعالجة ذلك، لم تقم المؤسسة منذ سنوات عدة بأي معالجة فنية من أجل ذلك، وأصبح ضعف التوتر الكهربائي شماعة يعلقون عليها كل أسباب أعطال مجموعات الضخ.
٦-عدم تركيب عدادات غزارة وضغط لمجموعات الضخ، وعدم صيانتها بشكل دوري لأجل تشغيل مجموعات الضخ عند نقاط المرور الأعظمي والمناسب للحفاظ على عمرها التصميمي، وزيادة كفاءتها. مع ملاحظة أن ٩٠ بالمئة من هذه العدادات معطل وخارج عن الخدمة.
….
آبار خارج الخدمة

الآبار التي سقطت غطاساتها ولم تستطع المديريات المسؤولة عنها (مياه – ري – زراعة) إخراج الغواطس من الآبار تعتبر نسبتها ضئيلة، لكن خروجها عن الخدمة سبب مشاكل عديدة للأهالي المستفيدين منها، حيث قال أحد مواطني قرية “ذبيبن” إن بئر المياه الأساسي خارج عن الخدمة منذ سنتين ونصف، بسبب سقوط الغاطس، وقد حاول الأهالي رؤية وزير الموارد عند قدومه إلى المحافظة لشرح معاناتهم، ولكنهم فشلوا، وهم باقون على الوعد.
ويحتاج هذا العطل الكبير جهوداً جبارة قد تمتد لأسابيع وأشهر لإخراج الغاطس من البئر بسبب العمق، وهذا يتطلب خبراء متمرسين بحسب أحد عمال الشبكة الذي قال إن هذه العملية في حال فشلت فلا حلول ممكنة.
وقد أحصى الناشطون عدداً من الآبار لهذا العطل بالذات، فكان هناك آبار بارك، وشقا، والمدينة الرياضية، والأرصاد الجوية، وعنز، وذيبين.

تعيينات خارجة عن الكفاءة

وقد توصل الناشطون لعدد من القضايا البالغة الأهمية، والتي تمحورت حول التعيينات الإدارية لمناصب حساسة، ووجدوا أن بعضها مخالف لكل الأعراف والقوانين، فهناك مدراء جذورهم ضاربة منذ سنوات طويلة على الرغم من وجود تقارير تفتيشية تدينهم بالفساد وعدم النزاهة، بل وزاد على ذلك أن يستلم أحد الموظفين أكثر من منصب بآن واحد. واتضح أن التعيينات تقوم على الشللية والمحسوبيات لا على الكفاءات والخبرة والنزاهة. ونتحفظ عن ذكر أسماء الموظفين بسبب التحقيقات الجارية في أكثر من مكان.
والأمر الوحيد الذي صدر خلال الأشهر القليلة الماضية هي إقالة المدير المالي من منصبه لخطأ صغير، وقد أثار هذا القرار غضباً عارماً في المحافظة لأن الرجل بحسب الحملة التي قام بها ناشطون على “الفيسبوك” نظيف ونزيه ويعمل لخدمة الناس.
وقد تحرك أعضاء مجلس المحافظة أخيراً، تم التصويت بالأغلبية في الجلسة الأخيرة للمجلس بدورته الخامسة على توصية لإعفاء المدير العام ومدير الصيانة في مؤسسة مياه السويداء. (2)
ورشة الإصلاح التابعة للتربية يوافق عليها بشرط؟.
رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على إبرام العقد الموقع بين مديرية التربية بالسويداء ومؤسسة المياه، والذي ينص على أن تقوم الورشة التي جهزتها مديرية التربية في الثانوية الصناعية بإصلاح وصيانة وإعادة تأهيل مجموعات الضخ الغاطسة المعطلة في المؤسسة، وتخفيف الأعباء المالية الضخمة التي تتكبدها المؤسسة بالإصلاح لدى القطاع الخاص، إلا أن المؤسسة لا تزال تضع العصي بالدواليب، وتصر على إرسال الغواطس المعطلة إلى حماه لإصلاحها لدى متعهد محدد يتم الاتفاق معه منذ سنوات طويلة. في حين أن الورشة الفنية في الثانوية الصناعية وبخبرات الفنيين والمدرسين قد قامت بأكثر من عملية إصلاح ناجحة، وبتكاليف زهيدة. إلا أن المؤسسة تقوم بإرسال غاطس أو اثنين إلى الثانوية الصناعية، وترسل الباقي إلى حماه بحجة أن العاملين في الورشة لا يمتلكون الخبرة الكافية، وأن الغواطس سرعان ما تعود للتعطل.
وبحسب مصدر مسؤول في مديرية التربية؛ فقد حصلت الأخيرة على موافقة من وزير التربية على صرف مبلغ 149 مليون ليرة لتوسيع الورشة ورفدها بكافة المعدات للقيام بعملية الصيانة والإصلاح بالشكل الأفضل. ووفقاً للمصدر نفسه فإن وزير الموارد المائية قد وافق على قيام ورشة مديرية التربية بكافة الإصلاحات شرط أن تكون الورشة متكاملة.
نائب في البرلمان .. هناك بئر عمل لعدة ساعات وتعطل؟.
عضو مجلس الشعب “حكمت سلام”، وفي مداخلة له أمام حكومة عرنوس السابقة قال: إن مشكلة المياه أصبحت تطال كل المناطق، فالعديد من الآبار خارج الخدمة؛ وبشكل دائم، وذلك بسبب الأعطال المتكررة للغواطس، وينتج عن ذلك تكاليف إصلاح باهظة ومدة زمنية طويلة للإصلاح تضطر المواطنين للاعتماد على شراء الصهاريج التي لا يقل سعر الواحد منها عن عشرة آلاف ليرة. وأضاف أن التبرير الدائم هو التغذية الكهربائية بالرغم من أن الآبار الخاصة تعمل كذلك على الكهرباء ذاتها ولا تواجه هذه المشاكل الدائمة، وهذا ما يثير العديد من التساؤلات. ورأى النائب أن تبريرات مؤسسة المياه غير مقنعة، (ونحن نتكبد يومياً عشرات الملايين في عمليات الاصلاح والشراء والاستبدال والتركيب بشكل دوري، والخاسر الوحيد هو المواطن من جهة وخزينة الدولة من جهة ثانية، على الرغم من أن الوزارة قد رصدت مبالغ كبيرة للمؤسسة، لكن لم نلاحظ أي تحسن). وحذر النائب من أزمة مياه خانقة في المحافظة إذا لم تتم معالجة هذا الأمر، وبإشراف مباشر من الوزارة.
وذكر على سبيل المثال مناطق العانات والغارية وخازمة والرحى وصولاً إلى مدينة السويداء وشهبا والمنطقة الشرقية، ومن ضمنها آبار الدياثة، وبلدة نمرة وشقا والمنطقة الشمالية. وأخرها بلدة المزرعة حيث عمل البئر الذي تم تجهيزه بكلفة تقدر بعشرات الملايين لعدة ساعات وبعدها تعطل.
قدم رئيس مجلس الوزراء حسين عرنوس في زيارته الأخيرة للمحافظة ( 3) وعداً مالياً بقيمة خمس مليارات ليرة؛ منها ملياري ليرة لحل مشكلة المياه، لكن هذا المبلغ إن تم الوفاء بالوعد فعلاً لا يحقق الحل لمشاكل مؤسسة المياه المعقدة، والتي فندها أحد النشطاء المدنيين أمام وزير الموارد المائية بسطر واحد هو تغيير الإدارة كاملة أو النزول إلى الشارع.
1- احتجاجات نمرة 3 شباط الماضي.. وحصار مؤسسة المياه في 6 نيسان الماضي
2- سناك سوري 16 أيلول الحالي
3- 23 أيار 2021

اترك تعليق