الممر الاجباري

خطاب السلم الأهلي للقوى الفاعلة في درعا والسويداء
….
بعد أكثر من عشر سنوات على التداعيات التي عصفت بالمجتمع السوري، تبدّى دور القوى الفاعلة في سوريا عموماً وفي محافظتي درعا والسويداء خصوصاً، في خفض أيّ نزاع حصل، عبر بناء شراكات تهدف بالدرجة الأولى للحفاظ على التماسك المجتمعي والعيش المشترك، أو فيما يمكن تسميته بإنتاج خطاب عقلاني لا عنفي يقف وجهاً لوجه أمام خطاب يسعى مروجوه والمستفيدون من انتشاره إلى زعزعة الروابط العميقة بين السهل والجبل، هذا الخطاب الطارئ، الذي لم يتعدَّ الصفحات الالكترونية المشبوهة، أو بعض الجماعات التي تعتاش على العنف، بما وفرته زعزعزة الأمن والأمان من غطاء لمصالحها ونشاطها.
إنّ الجهود التي بذلتها القوى الفاعلة لحماية التماسك المجتمعي بين المحافظتين، وبلورة خطاب جامع تنطوي معطياته على تفعيل المصالح المشتركة، نفت كل التحليلات التي كانت تتوقع نشوب حرب أهلية بعد كل حدث استهدف المحافظتين، كما أكدتا بذلك أنّ السلم ضرورة مشتركة لأنه الممر الوحيد لأبنائهما، فالمرجعيات الدينيّة ووجهاء العشائر والعائلات الكبرى، بالإضافة إلى الشخصيات العامة ذات الحضور المجتمعي القوي كان لها دوراً توعوياً في كلتا المحافظتين للحفاظ على السلم الأهلي، عبر اللجان التي سعت للصلح والعمل على إعادة العلاقات الوديّة إلى سابق عهدها، فلم ينقطع التواصل والاتصال والتشاور حول نقاط الخلاف، في سعي حثيث لرأب الصدع بينهما، وصدر الكثير من البيانات في هذا الخصوص، منها بيان “الشيخ الحناوي” بخصوص أحداث القريا والفيلق الخامس، فقد كان خطاباً إيجابياً يدعم السلم الأهلي، أكدّ فيه على الروابط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية بين المحافظتين، ودعا إلى ميثاق شرفٍ يحقن الدماء ويصون الأعراض، ويحفظ الحقوق والأمن والسلم الأهلي، وجاء خطاب الشيخ عوض “أسعد المقداد” من درعا في اللقاء نفسه متناغماً مع خطاب ” الشيخ الحناوي” مؤكداً على أواصر الأخوة والأرض الواحدة.
وقد كان هناك تواصل دائم بين الوجهاء، حيث عملوا على دفع أبناء المحافظتين إلى الحوار، والابتعاد عن الأساليب العنيفة، واستعمال السلاح في حلّ النزاعات، وتلافي التوترات، ووضع خطط للحدّ من عمل العصابات المسلحة، كالبيان المشترك الذي صدر في4/4/2020م تحت عنوان “بيان حسن الجوار بين سهل وجبل حوران”، حيث أكد البيان على عدة نقاط كان أبرزها: إنهاء ملف المخطوفين بالكامل، وتشكيل لجنة مشتركة لمتابعة ذلك، وتشكيل لجنة أخرى تسعى لإعادة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وإنشاء مشاريع مشتركة، ودعوة المجتمع لتحمل مسؤولياته في قضايا حسن الجوار.
وبالطبع كان دور المثقفين ونشطاء العمل المدني كقوى فاعلة في المحافظتين دوراً بارزاً، فمن خلال تحليل المثقفين للواقع، ونقل تطلعاتهم إلى الزعامات والقيادات المحلية، وتصويب الأخطاء وكشف المؤامرات التي تُحاك ضد المحافظتين، وبياناتهم المشتركة، عملوا على تقريب وجهات النظر المتباعدة، وفتح باب الحوار ليجمع كافة الأطراف كالهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء، التي ضمت زعامات تقليدية ومثقفين وناشطين في العمل المدني ورجال دين، والتي كان لها دوراً إيجابياً في المصالحات بين درعا والسويداء.
كما أنّ نشطاء العمل المدني لم يتوقف دورهم عند العمل الإغاثي والإعلامي، بل تعداه إلى العمل على تعزيز السلم الأهلي، من خلال حملات نشر الوعي ومبادئ وقيم المواطنة، والتواصل مع القوى الفاعلة في المجتمع كافةً، كالزعامات التقليدية والدينية والقادة المجتمعيين، والتنسيق بين الأطراف في حالات النزاع، وخصوصاً التدخل مع الوجهاء والمعنيين في عمليات الخطف والخطف المضاد التي شهدتها المحافظتين، ونذكر منها على سبيل المثال لجنة العمل الوطني، ولجان المواطنة والسلم الأهلي في السويداء.
إنّ جميع القوى الفاعلة تدرك أنّ السهل والجبل عبر تاريخهما مرّا بالكثير من الدسائس التي حاولت اختراق نسيجهما، وبث الفتنة والقطيعة بينهما، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، لأنّ علاقة السهل والجبل هي علاقة وجود ومصير مشترك، بما يشكلان من امتدادٍ تاريخي وثقافي واقتصاد مشترك، يحتّم على الجميع أن يسترشدوا العقل في توجيه بوصلتهم، وعدم الارتهان لخطاب ينحّي الحوامل الجامعة للمحافظتين.

اترك تعليق