رحلة التماسك الاجتماعي: من السِلم العابر إلى السِلم الدائم

Photo by Sunguk Kim on Unsplash

سارة حسن

تتعيّن موارد بناء السلام، في النشاط الاجتماعي السلمي، الذي يحقق مصالح أفراد المجتمع الأهلي بعيداً عن النزعات والصراعات التي تهدد تماسكه المجتمعي، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ السلم الاجتماعي سِلمان، لكل منهما موارد في المجتمع والدولة مختلفة عن موارد الآخر: سِلْمٌ عابر أو مؤقت، وسِلْمٌ دائمٌ وشامل. تتوافر موارد بناء الأول في المجتمع التقليدي، بينما تتوافر موارد بناء الثاني في المجتمع المدني الحديث، وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تسود في كل من المجتمعين هي من تعيّن الفروق النوعية بينهما، حيث تنبع إمكانات السلم العابر، في المجتمع التقليدي، من التعايش الضروري بين فئاته المختلفة والمتفاصلة أو المتحاجزة، في حين تنبع إمكانات السلم الاجتماعي الدائم والشامل من التشارك المتكافئ الحرّ والمبدع في إنتاج الوجود الاجتماعي، إنتاج المجتمع والدولة.
لذلك يبدو سؤال السلم الاجتماعي ومصادره، في الحالة السورية الراهنة، على وجه العموم، وبناء السلم بين محافظتي درعا والسويداء على وجه الخصوص، سؤالاً مركباً، ينطلق من إمكانات السلم العابر أو المؤقت، وموارده المتاحة والممكنة في المجتمع الكلّي وفي محافظتي درعا والسويداء، ويرنو إلى ممكنات سلام دائم وشامل في المجتمع السوري الكلّي، لا يمكن أن تخرج من إطاره المحافظتان المعنيتان. ومن المؤكد أنه لا يسوغ لعاقل تفويت إمكانات السلم العابر، لتطويق النزاعات وحقن الدماء وحفظ الأعراض وحماية المنافع المشتركة، وهي القاعدة الموضوعية للتشارك الحرّ، ريثما تنفتح إمكانات سلم دائم وشامل على صعيد المجتمع السوري الكلّي، وهذا شرطٌ لازم للسلم الدائم بين محافظتي درعا والسويداء، وبين سائر المحافظات والمناطق السورية.
فالخبرة التي يقدمها النزاع يمكن أن تكون مفيدةً فيما لو قبلنا أنّ العلاقات الموضوعيّة والمنطقيّة هي حجر الأساس في بناء السلم الاجتماعي، فتغليب العقلانيّة والمنطقيّة التي تعمل الحروب على حجبهما والاستثمار في غيابهما، يمكن أن يقلّل حجم الضرائب الماديّة والمعنويّة التي يدفعها الفرد والمجتمع أثناء النزاعات، فالنزاع بمختلف صوره وشدتها ما هو إلّا نكوص في التماسك الاجتماعي الذي يتبدى كشرط حاسم في بناء السلم المجتمعي.
لذلك لم يكن خيار عقلاء محافظتي درعا والسويداء في حماية التماسك المجتمعي خياراَ عاطفياَ، بل كان خياراً تقف خلفه وجهات نظر تتصف بالوعي والمسؤولية، وتدرك في الوقت نفسه أنّ الفائدة الرئيسية للتماسك المجتمعي تتمثل في مجتمعٍ خالٍ من العنف بالدرجة الأولى، يعتقد أفراده بأهمية العمل المشترك، والمساهمة المشتركة في الاستقرار الاجتماعي، مما يجفف الانقسام والتهميش وخطاب الكراهيّة، ويفرد مساحات واسعة لحوارٍ مستمرّ بين المكونات الاجتماعيّة يعزز ثقافة الاعتراف والاختلاف، وهذا ما يضيّق الفرص على المستفيدين من النزاعات واستمرارها.
ولكي نتفق على وجوب استثمار موارد السلم العابر المتاحة بين المحافظتين، علينا أن نتفق أولاً على نقطة انطلاق وهي: أنّ التوتر بين المحافظتين هو نتيجة مباشرة من نتائج الحرب، التي عملت أطراف شتى لتجعل منها حرباً أهلية أو طائفية، فنطاق النزاعات كان محدوداً على الدوام، إما بين عشيرتين أو عائلتين، وإما بين قريتين، على الأكثر، ولكن ليس بين المحافظتين. هذه النزاعات المحدودة لها ما يماثلها داخل كل من المحافظتين، إنها حال المجتمعات التقليدية على العموم. فلعله من الصعب أن يبرهن أحد على أنّ مجرد الاختلاف الديني أو المذهبي هو سبب لنزاع أو حرب، إذ الدين أو المذهب لا يصير أداة وضيعة للنزاعات والحروب إلا بوساطة سلطة / سلطات دينية أو اجتماعية (عشائرية أو قبلية) أو سياسية أو ثقافية أيضاً، تتخذ منه قناعاً لمآربها وترساً للدفاع عن مصالحها الخاصة العمياء.
تأتي أهمية هذه النقطة من كونه لا يمكن ترسيخ السلام وبنائه دون دعم أواصر التواصل وتمتين العلاقات وتماسكها بين مختلف مكونات المجتمع، وبالتالي تعزّز بناء شراكات بين القوى الفاعلة في المحافظتين التي يأتي في مقدمة مهامها أمن المحافظتين، حتى تتمكن من وضع خطط وبرامج تعمل على إعادة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن ثم التأسيس لمشروع سياسي مشترك يحفظ هذه المصالح ويطورها

اترك تعليق