عن المصالحة بين درعا والسويداء .. لا عودة إلى الوراء

آليات عسكرية روسية على الحدود الادراية بين محافظتي درعا والسويداء


ضياء الصحناوي

. .
يُرجع العديد من الأهالي في السهل والجبل جذر المشكلة الحقيقية بين “بصرى”، و”القريا” إلى حادثة جرت في سبعينيات القرن الماضي، والتي راح ضحيتها آنذاك رجل بريء من أهالي بلدة القريا (١)، لكن هذه الواقعة طويت بصلح عشائري شهد عليه -إضافة إلى وجهاء المحافظتين- القائد “سلطان الأطرش” الذي أسس لعلاقة لا يمحوها زمن، ولا تذروها رياح، منذ أن اختلطت دماء الشهداء أثناء الثورة السورية الكبرى ١٩٢٥.
كانت الحدود الإدارية المشتركة بين المحافظتين الجارتين تضج بالحركة المتبادلة زراعياً واقتصادياً واجتماعياً من خلال العلاقات المتجذرة بين العائلات، والتي تعززت كثيراً خارج الحدود الإدارية؛ لتصل إلى المغترب، حيث قدر لهذه المنطقة أن تشهد موجات من الهجرات المتعاقبة لتحسين الحياة المعيشية، والصمود في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المتدهورة. ومع دخول “سورية” في خضم حربها الداخلية منتصف 2011، كانت هذه الحدود مسرحاً للاعبين كثر، وجدوا فيها ملعبهم للتأجيج، وزرع الفتن الطائفية، وتزوير الحقائق، وتعبئة الرأي العام بين الطرفين، وتدخلات دولية مكشوفة، وصولاً إلى مواجهات مسلحة دامية راح ضحيها العشرات، كان أبرزها أحداث آذار وأيلول 2020.
……..
نقطة أول السطر

لطالما كان الرهان في السنوات الأخيرة على تتابع إشعال الحرائق مهما كان الثمن -التي عززتها عصابات الخطف المأجورة- والتلاعب بأمن الأبرياء واستنزاف طاقاتهم، لكن الذي حدث في المصالحات الأخيرة غير قواعد الاشتباك، وكانت الاتصالات تجري بعيداً عن المصالح الضيقة؛ والتدخلات الأمنية والأجندات الخارجية، وصولاً إلى بلورة مصالحة قال عنها الجانبان أنها تمت بفضل دم الضحايا، وتكريماً لعلاقات الأخوة والجذور المشتركة، وتأسيساً لعصر جديد لا يستطيع أحد دخوله إلا للبناء عليه.(2)
………
تفاصيل ما قبل المصالحة النهائية

كان أهم ركن من هذه العملية الشائكة أن الأرض عادت لأصحابها (بعد أن وضع اللواء الثامن حواجز عسكرية داخل أراضي القريا)، وهو العامل الأساسي كونه السبب المباشر للخلاف وما نتج عنه من ضحايا، حيث يؤكد “لؤي الأطرش” أمير دار عرى، وعراب المصالحة عن السويداء؛ أن “دماء الشهداء كانت الكفة الراجحة التي أعادت الأمور لنصابها الطبيعي، وجعلت الفريقان يحتكمان للعقل”.
وأضاف الأطرش بصراحة شديدة تخلو من الدبلوماسية، أن “كل ما أشيع عن تدخلات سياسية وضغوط على أعلى المستويات في الدولة ليست صحيحة” خاصة فيما يتعلق بتدخلات دولية مورست عليه وعلى أعضاء اللجنة، وإن كانت ستحصل لرفضها بالمطلق سواء كانت مباشرة أو عن طريق مفاوضات، مشيراً أن “في السويداء ودرعا لدينا من يستطيع حل أي مشكلة مهما كانت شائكة، ولن نسمح لأحد بالتدخل”.
وما يهم الجميع اليوم أن يعود المزارعون من الطرفين للعمل في الأرض بكل اطمئنان كما كان الحال عليه في السابق؛ على الرغم من كل المنغصات التي تحدث بين وقت وآخر.
وتابع الأطرش: “إن تأخير المصالحات بصورتها النهائية أفضل من أن نترك خلفنا تفصيلاً واحداً من دون حل، فللأهل في درعا مطالب محقة كما لنا مطالبنا المحقة، وكل ذلك يُبحث بتأنٍ وهدوء بعيداً عن أي ضغوط”.
أما فيما يتعلق بالتعويضات أو ما يصطلح على تسميته ب (دية الضحايا)؛ فإن الآراء تتجه إلى ترك الموضوع للقضاء المختص؛ بناء على قاعدة الفاعل بما فعل، وعلى ما يبدو فإن الصلح العشائري في هذه النقطة معقد للغاية؛ خاصة فيما يتعلق بأهالي السويداء تحديداً.
ومن المسائل الشائكة اليوم
والتي لم تعالج بعد في بلدة القريا تتعلق بأشخاص ينتمون الى عشائر البدو، فقد عمد عدد منهم إلى الانخراط في عصابات للخطف والسلب، وساهم في تأجيج الصراع؛ وهناك من يرى أن قسماً من هؤلاء كان أحد أهم الأسباب وراء الأحداث الأخيرة ، ولذلك يصر أهالي القريا ومعهم اللجنة الممثلة للسويداء على أن ” يعود من عشائر البدو من ليس له علاقة بأي مشكلة أمنية، أما الباقون فلا مكان لهم في البلدة؛ على أن ينالوا حقهم من ممتلكاتهم. “
لكن هذه المسألة تحتاج الى إجماع حتى يتم التنفيذ، فهي قضية أيضاً معقدة. علماً أن هناك ما يقارب الستين خيمة يقطنها البدو بين القريا وبصرى.

وهنا لابد من التأكيد بأن أهم القضايا التي نوقشت منذ بداية اللقاءات والاجتماعات المتكررة بين الطرفين هي ملف عصابات الخطف وضرورة العمل المشترك لقطع يد تلك العصابات بين المحافظتين، فهناك إجماع تام وكامل على ذلك؛ وأنه لا يمكن أن تستقر المنطقة وهم يسرحون فيها بلا حساب. وبحسب ما أكده أحد أعضاء لجنة المصالحة أن المشكلة الحقيقية برأيه تكمن من جانب أهالي السويداء، ” فهم لم يحزموا أمرهم على التصدي للعصابات بشكل جدي كما يحدث في درعا، رغم كل الدماء التي سالت؛ وكان وراءها العصابات؛ آخرها دماء الشيخين “طاهر الجرماني”، و”عامر فرج” بتاريخ 7 تشرين الثاني 2020، أي قبل لقاء المصالحة بيومين فقط.

…..
من جهته يجزم الأمير لؤي الأطرش أن العلاقات بين المحافظتين رغم كل شيء متينة للغاية، ولا يمكن العودة للوراء، وهناك تنسيق كامل وفوري بين الجهتين في أي مشكلة تحدث مهما كانت صغيرة أو كبيرة، وهذا عائد للثقة التي عادت لتكبر من جديد، والدليل أن المزارعين في بلدة القريا يزرعون أراضيهم بشكل طبيعي، وإذا حصل أي مشكلة فهناك من يساعدهم من شباب مدينة بصرى بحلها، والعكس صحيح، وهذا ما رآه الجميع في المشكلة الأخيرة بداية شهر شباط، الجاري فنقطة المراقبة المتفق عليها كانت ضرورية جداً وفي مكانها الطبيعي لحراسة الجيرة. وليس بغرض التعدي على الأملاك الخاصة.
————————-
1- قتل رجل من بلدة القريا على يد رجل آخر من مدينة “بصرى” وكانت ديته قطعة أرض
2- أول اجتماع كان في 9 تشرين الثاني 2020، والاجتماع الموسع الذي أسس لمصالحة حقيقية كان في قرية( برد) يوم 7 كانون الأول 2020

اترك تعليق