سطح أرضي

سطح أرضي
اللوحة للفنان هيثم صايغ

قصة قصيرة

رغد جديد

ط1

 الأطفال يغزون كل شبر، أصواتهم تصدع جدراني، واختفت بلاطاتي تحت ركامٍ من الثياب والألعاب والقرطاسية.

اتفق أسعد ولينا على الاحتفاء ببذرة واحدة فقط من صلبهما. لكن الاتفاق ذهب أدراج الريح. أمام إصرار أهاليهما على أن البيت لا يكون بيتاً، إن لم تصدح في زواياه ترانيم الملائكة الصغار.

حسناَ، هل فكر أحد في البيت وزواياه؟

 ما ذنب خلاياي الإسمنتية لتنهار تحت وطأة زلزال يُحدثه يومياً خمسة أطفال استبدلوا بأقدامهم الصغيرة كراتِ تهديم المباني!

ط٢

أشفقُ على شقيقي ط١، أصوات الصياح والتدافع تكاد أن تشق مداميكي، فكيف هو الحال في الأسفل؟

لا يعني ذلك أن الوضع لدي أفضل وأنا الذي أتعرض لعملية تشويه في هويتي ستحيلني مسرحاً إغريقياً لا محالة!

 هذه الفتاة تتكاثر بالأداء، أو كما يقول البشر “فلان مسكون”، كيف تستطيع أن تؤدي هذه الشخصيات كلها وهي شخص واحد؟!

تتسرب هذه الشخصيات إلى شقوقي في الليل فتتقلص من شدة الخوف. أي نحس هذا زلزلَ هدوئي وسكوني منذ أن قُبلَت يارا في تجارب الأداء! أي شقاء قوّضَ حجارتي منذ أن تحولت ساكنتي إلى قبيلة ومن ثم إلى دولة!

ط٣

تظل أصواتُ البشر أفضل من مواء ينخر جصّي نخراً. رجوتُ شقيقي ط١ مراراً وتكراراً أن يعيرني طفلاً فقط كي يؤنس  سامية التي أصبحت عجوزاً وحيدة. لكن ط١ أوضح أن ذلك مخالفٌ لمنطق البشر وقناعاتِهم، فكل طفل هو خاص بمن أنجبه وغير قابل للإعارة، والنتيجة الآن: 

ألعنُ من أنجبَ سامية صباح مساء بعد أن ملأت حجراتي وزواياي بقطط تتسلقها وتوجعها بمخالبها. لتكون هذه القطط هي الحل القاهر لوحدة سامية، وبداية وحدتي أنا وسط غابة موحشة من القطط الصاخبة، ااااخ، ألا تكلُّ من المواء؟ ما بها مؤخراً؟ لقد ألمّ بها جوع تاريخي وكأنها لم تمؤ في حياتها!

ط٤

تصفر الريح بين جنبَاتي، لا ساكن، لا حياة. وكل قطعة أثاث تفتعلُ مشكلةً مع أختها منذ أن غادر مقتنوها وتركوها فريسة الفراغ.

بضعة أيام فحسب كانت هي الفاصل بين تجديد سكاني لأثاثهم وصدور تأشيرات سفرهم خارج البلاد. كانت صدمةً حقة على الأرائك كادت أن تفزر تنجيدها، ولم تنفع محاولات جدراني في التسلية عنها بسرد قصص السكان ومواقفهم المضحكة.

تمنيتُ لو كان عمراني أكثر تماسكاً كي أمنع تسلل أصوات الجيران. أسمعُ صوت انتحاب الأسرّة كل يوم وهي تشتاق إلى احتضان الجسد بكل همومه وأفكاره.

العجز يفتكُ بي ولا سبيلَ لفعل شيء. لا أنا أستطيع التحولَ إلى جسد بشري يخفف عن قطع الأثاث معاناتها. ولا هي تستطيع معرفة أنه لدي هموم وأفكار لكن من دون جسد بشري يرتمي على السرير في آخر اليوم.

السطح

لقد وصلتُ قطعةً واحدةً إلى سطح الأرض، لأول مرة أرى الحياة من الأسفل. أنادي على أشقائي ط١ وط٢ وط٣ وط٤، لكن لا أحد يجيب، ما الذي يحدث؟ لماذا أنا هنا في الأصل؟

صراخ، مناجاة، أسماء بشر تضيع في الهواء دون أن تصل إلى أصحابها. ثم تحضر جرافات للتنقيب تحتي. أرى مِزقاً من أشقائي هنا وهناك، وتحتها تقبع أجساد ساكنيهم. الكل نيام، لم يستيقظ أحد. لا أطفال أسعد ولينا، ولا يارا رغم تعدد شخصياتها، ولا سامية صاحبة القطط، بالمناسبة أين ذهبت القطط؟ ليست تحت الركام، ولا تموء باسم سامية كما ينادي الجميع على الجميع، فأين اختفت إذن؟

وحدهم ساكنو ط٤ من نجوا لأنهم لم يعودوا ساكني ط٤. من المؤكد أنهم يشاهدون نشرة الأخبار الآن من حيث هم. ويبكون جيرانَهم الذين قضوا نحبهم في الزلزال، ويحمدون الله أنه كتب لهم عمراً جديداً. لا سيما أن خسائرَهم لم تتجاوز الماديات، من بينها  الأثاث الجديد، الأثاث الذي ظل يبكي فراقَهم كل يوم وكل لحظة.

اترك تعليق