كحجرٍ رُمي في بحيرة                               

                                                      

إضاءة على بحث “التنشئة الجنسية الأسرية، والعنف ضد المرأة”

يقول المهاتما غاندي “إذا أردنا أن نعلّم السلام الحقيقي في هذا العالم، ونخوض حرباً ضد الحرب علينا أن نبدأ بأطفالنا” 

تعود جدة وأهمية البحث المنشور على منصة صدى الجنوب بعنوان” التنشئة الجنسيّة  الأسرية والعنف ضد المرأة“، في استقصاء العنف، والعنف الواقع على المرأة خاصّةً، إلى نبشه أماكن قد تحتاج إلى الكثير من الشجاعة، لكنه يدفع إلى التفكير بالكثير من مسلماتنا الثقافيّة وإعادة قراءتها، هذا البحث المتسق مع أهداف المنصة في نشر ثقافة المواطنة وبناء السلام، والمعمّق بأدواتٍ معرفية نوعيّة ومتنوعة، يبدأ حقيقةً بأطفالنا، فالتنشئة الاجتماعيّة التقليدية التي تعدّ الأفراد للعب أدوارهم المستقبليّة، يمكن أن تكون سبباً مباشراً في إنتاج السلوك العنفي وتفشيه المجتمعي، خاصة إذا ارتكزت على تنشئة جنسية تعمل على اختزال الرجل في ذكورته والمرأة في أنوثتها مما “سيحوّل البيولوجي إلى اجتماعي”(1)بتعبير “عبد الصمد الديالمي” أي ستحول ذكورة الرجل إلى سلطة وامتيازات اجتماعية ، يقابلها تحول الأنثى لتشغل مواقع وأدوار اجتماعية هامشية تابعة، وهذا ما سيجعل التنشئة الاجتماعيّة تنتج بشكل مستمر علاقاتٍ لامساواتيّة، تؤسس للتفاضل والتفاصل والتحاجز والاصطفاف، وتسهم في دفع المجتمع إلى تكريس الأنساق الثقافية القائمة، ما يفتح الباب أمام توليد العنف واستدامته.

قارب البحث هذا التعريف النظري للتنشئة الجنسية من خلال بحث ميداني معمّق، اتخذ من محافظة السويداء مجتمعاً لدراسته، وحاول في هذه المقاربة أن يوّضح العلاقة السببيّة بين نمط التنشئة الجنسيّة والعنف الواقع على المرأة، عبر سبر الأساليب الثقافيّة والنفسيّة والمعرفيّة التي تعتمدها هذه التنشئة، وكيف تتمكن هذه الأساليب من رسم الصورة النمطيّة لكل من الرجل والمرأة، و تكرس التصورات الذهنية المسبقة التي تحديد وظيفة كلّ منهما ودوره/ها الاجتماعي. فالتنشئة الجنسيّة في مجتمع الدراسة ومجمل المجتمعات التقليديّة المشابهة، تنظر إلى الجنس كنقيضٍ للأخلاق ومخالفٍ لها، وتربطه بالإثم والدنس، لا بالمعرفة العلمية التي تقوم على فهم مراحل نمو الأطفال الجسدية واحتياجاتهم النفسيّة، ليصبح أسلوبي الأمر والنهي، أحد أهمّ آليات تلقين الأدوار الجندرية لكلا الجنسين، فيغدو التحيّز أمراً طبيعياً وغير ملحوظ اجتماعياً، حينها فقط يتعيّن مفهوم الذكر الفاعل المسيطر، مقابل الأنثى المفعول بها والمستلبة كحقيقةٍ واقعيّة، من دون أنّ يرفض أحدٌ ذلك أو يعترض عليه. 

في الحقيقة، لا يقف الدور الذي يضطلع به أسلوب الأمر والنهي المتبع في التنشئة الجنسية عند التنميط الوظيفي لكلّ من الذكر والأنثى، بل يتجاوزها إلى تنميط التصورات العامة للأفراد والمفاضلة بينها على أساس قيميّ، والتي تُنتج بدورها ثقافة تقوم على الرضوخ والاذعان، وعلاقاتٍ قوامها التهديد والإزاحة، ممّا يعني بالمجمل انتاج علاقات تسلّطية، ميزتها القهر والغلبة، تقوم باختزال الأفراد ضمن ثنائيّات تراتبيّة تحمل معاييرَ قيمية، كالراعي والرعيّة، والحاكم والمحكوم، الذكر والأنثى، أو ما يمكن أن يسمّى بالصورة العصريّة لثنائيّة السيد والعبد، وداخل هذا التقسيم ستحدد أهميّة الأفراد تبعاً لولائهم لا كفاءتهم، وتبعاً لخضوعهم لا لمشاركتهم الاجتماعيّة. هذا ما سيهمّش قيم المواطنة ومضامينها، من دون أن يدرك الأفراد أهميّة هذه القيم في تعافي المجتمعات وازدهارها.  

إنّ التتبع الجدّي في الدراسة البحثية عن الأسباب التي تقف وراء العنف، والعنف الممارس على المرأة، ينطلق من فكرة أنّ التمييز القائم على النوع الاجتماعي والذي تغذيه الجذور العميقة للتنشئة الجنسية، هو تمييز لا يستهدف النساء فقط، بل هو نظام متكامل، ينتج العنف ويشرّع وجوده، عبر تطبيقه على الجميع دون استثناء، بالتالي لا يمكن تفكيك أسبابه بعيداً عن إدراك الضرورة القصوى لتغيير الذهنيّة الاجتماعيّة السائدة اتجاه القضايا الاجتماعيّة عموماً، والتنشئة الجنسيّة بشكل خاص، وصولاً لإدراك أهميّة التربية الجنسيّة، بما تتضمنه من معارف علمية بالجسد ووظائفه وآليات حمايته، ومن قيم مضادّة للهيمنة الذكورية تؤسس لعلاقات أفقية وتشاركيّة، تتجاوز ثنائية الأقطاب، عبر تأسيس نزعة مساواتية، تقوم على الاعتراف بالآخر وتفهّم احتياجاته، فالتربية على المساواة والاختلاف والاستقلال والحرية والحقوق، أو ما يمكن أن نسميه التربية على المواطنة، يبدأ من ألف باء التربية الجنسية، عبر دحض التصورات التقليدية بالفهم والقبول والمعارف العلميّة، ممّا يُشكّل وعياً مغايراً يؤسس لإنسانية عادلة وفاعلة. من هنا يمكن أن نفهم إشارة “جاد الكريم الجباعي” إلى المواطنة بأنها” ليست أمراً بديهياً يتحقق تلقائياً بقيام الدولة الوطنية، وليست أمراً بديهياً مكتسب بالوراثة، بل هي عملية نمو وتطور اجتماعي واقتصادي وثقافي، وسياسي وأخلاقي”(2).

المفكر السوري جاد الكريم الجباعي

فالانتقال من المجتمعات البطريركيّة(3) إلى المجتمعات المدنيّة، لن يتمّ من دون إحداث تغيير في السلوك الاجتماعي، بدءاً بتربية تعمل على تهيئة البنى الاجتماعية لاحترام حرية وإنسانية الفرد ذكراً وأنثى على السواء، وانتهاءً بثقافة إنسانيّة جامعة تعيد الاعتبار إلى فكرة التكامل على حساب التفاضل، وإلى فكرة الشراكة على حساب الهيمنة والتسلّط. إنّ مستقبلنا كأفراد مرهون بتجفيف مصادر العنف، والانفتاح على وعي مشترك يزيح الاعتبارات النمطيّة والأحكام القبليّة، التي لم تسهم حتى الآن إلّا في إنتاج المزيد من الخلل، باعتبارها المولدات العميقة والخفيّة للعنف.

تكمن أهمية هذا البحث في تسليطه الضوء على وضعية الفرد في مجتمعنا، وربطه النتائج والآثار العنفية بجذورها، وتشكيل رؤية مفاهيمية واضحة عبر التفريق بين التنشئة الجنسية والتربية الجنسية، والتي يمكن لها أن تؤسس لمقبولية مجتمعية في أخذ التربية الجنسية مكانها في الأسرة والمدرسة والمجتمع وفي القوانين، باعتبارها أحد الأدوات المهمّة لحماية الأفراد ذكوراً وإناثاً. لعلّ مفهوم التربية الجنسية إذا ما وقفنا على فهمٍ منطقيٍ له، سيكون من العوامل الحاسمة في تغيير جغرافيا الجنس الضيقة، وفتح الباب الإنساني على مصراعيه، على أمل أن يكون هذا البحث بمثابة حجرٍ رُمي في بحيرة، يشكل دائرة في النقطة التي سقط فيها، لتتسع تلك الدائرة، وتشكل دائرة إثر أخرى حتى تبلغ الشاطئ.

هوامش

  1. عبد الصمد الديالمي، سيسيولوجيا الجنسانية العربية، دار الطليعة بيروت، ص 150
  2. جاد الكريم الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة أطلس للنشر والترجمة والانتاح الثقافي، ص 219
  3. البطريركية ( بالانكليزية Patiarchy)، وتسمى النظام الأبوي، وهي تنظيم اجتماعي يتميز بسيادة الذكر الرئيس، (الأب)، وتبعية النساء والذرية له بما فيها التبعية القانونية
اترك تعليق