لا تثق إلا بتجربتك

الوحة للفنان حمد الحناوي

نجاة عبد الصمد

جيمس بالدوين كاتبٌ أمريكيّ، غير معروفٍ في بلادنا، أفكاره خطرٌ مباشرٌ على حكّامها وعلى حرّاس كل منظومةٍ يُرعبها التغيير. لم يكن وضعه في زمنه (1924 – 1987) أفضل من حال شبابنا اليوم. لكنه، بدأبه وكفاحه رسّخ نفسه كاتباً من أهم روائيي القرن العشرين، وقبل ذلك إنساناً تعبر مقولاته زمنها، فرغم معاناته ورغم إدراكه أنّ الخلل قائمٌ في تكوين العالم، اختار بالدوين الطريق الأصعب، إنما الأجدى أخلاقياً، ألا تجرفه الضغوط إلى العنف، أن يناضل في سبيل “إن لم يكن تغيير العالم، فعلى الأقل، تغيير حالة بعض الناس في العالم”  

تُرى كيف قد يرتسم مصير إنسانٍ ولد عام 1924 في نيويورك، ببشرة سوداء، وسط عائلة فقيرةٍ يتبناه فيها زوج أمه، ولم تكن علاقتهما طيبة، وفي حيٍّ يطفح بالجريمة والمخدرات؟

في زمنه كان حال المواطنين الأمريكيين من أصولٍ أفريقية مزرياً على كل صعيد، سياسياً وثقافياً واجتماعيا، واختبر بالدوين باكراً بؤس المحيط الذي ينتمي إليه، الذي لم يُمكّنه من إتمام تعليمه الجامعي، وشهد بعينيه كيف تدفع الضغوطُ الاجتماعية البشرَ لارتكاب أبشع أنواع الأذى بحقّ بعضهم. يضاف إليها أنّ بالدوين كان يعايش أزمته الشخصية منذ بدأ يدرك ميوله الجنسية المثلية. 

في سن الخامسة عشرة التقى بالرسام (بوفورد ديلاني)، الذي منح بالدوينَ أمل الاعتقاد أن الإنسان الأسود يمكن أن يكون فناناً.. وعلّق بالدوين على هذا اللقاء في إحدى محاضراته: “بالطبع كنت على علم بأني أسود البشرة، ولكني صرت أعلم أيضاً أنني ذكيّ، وأنّ عقلي هو الشيء الوحيد الذي يجدر بي استخدامه”. 

غادر بالدوين أمريكاً مثقلاً بخيبة أملٍ كبيرة من تحامل سياستها ضد السود، واستقر في باريس: “كي ينظّف نفسه من أسرارها..”، على هدف أن يقدّم نفسه وكتاباته إلى العالم لا بصفته “مجرد زنجي؛ أو مجرد كاتب زنجي”، بل أن يُقرأ خارج السياق النمطيّ للأمريكي الأسود، أن يقاوم اليأس الذي يعيشه كثيرٌ من الشباب الأمريكان السود.

سخّر بالدوين كتاباته لقضايا الحقوق المدنية والتمييز العنصري والجنسي والتفاوت الطبقي، انطلق إليها من جذورها، من تشريح النفس البشرية حتى آخر قيعانها، عبر موضوعات الحب والجنس والموت والشذوذ والتمييز العنصري والبؤس والفقر والجريمة. لم يخجل من معالجة أي مضمون طالما أن هدفه هو اكتشاف الإنسان بكل صراعاته وتناقضاته، وتطوير قناعاته بفعل الوعي والتجربة.

هل الحل بالاتجاه إلى التدين، بإيكال الأمر لله؟ يقول بالدوين على لسان أحد أبطاله: “محبة الله رفعتني، أعطاني الإيمان دافعاً لتحدّي الاضطهاد” كان هذا بتأثير تجربة بالدوين الشخصية مع الكنيسة في بدايات حياته. لكن بالدوين يقول لاحقاً أنّ “التواجد في منبر الكنيسة كان مثل العمل في المسرح؛ لقد كنت وراء الكواليس وأعرف كيف يعمل الوهم”، رأى أنّ منظومة الكنيسة، باشتغالها على تخفيف آلام القمع، وتأخير الخلاص حتى الآخرة، تُعزّز نظام العبودية الأمريكي. وخلص بالدوين إلى القول: “إذا كان هناك من فائدةٍ لمفهوم الله، فهي جعلُنا أكثر حرية، فإن لم يكن قادراً على ذلك، سيكون قد حان وقت التخلص منه”، وكان أن غادر الكنيسة ولم ينضمّ بعدها إلى أية أيديولوجيا..

لم يتعفّف بالدوين عن مناقشة أية فكرة، ولا عن طرحها من زواياها الصادمة، يقول: “إنها صدمة كبرى أن تكتشف وأنت في سن الخامسة أو السابعة أن العَلَم الذي تتعهد بالإخلاص له أسوة بالجميع، لا يتعهد بالإخلاص لك، ثم تكبر وتكتشف أن البلد الذي هو مسقط رأسك والذي تدين له بحياتك وكيانك لا يوجد في مجمل نظامه ما هو مخصص من أجلك”! 

ويجد بالدوين نفسه مضطرا ليوضح لنفسه قبل الآخرين: “أنا أحب أمريكا أكثر من أي بلد في العالم، ولهذا السبب بالذات أؤكد على حق المرء في انتقاد بلده، وحقه بالرغبة في تغييره، وعلى المرء أن يجد جوهره الأخلاقي الخاص به، على أمل أن يُحرّكه هذا الجوهر بصورة صحيحة، فقلّةٌ من البشر يملكون رغبة حقيقية في أن يكونوا أحراراً، الحرية شيءٌ يصعب تحمله”. 

بالعقل يختار الإنسان لنفسه مصيراً آخر، ألا يكون الضحية ولا يكون الجلاد.

كان بالدوين يخشى أن يصبح مثل مضطهِده ويتبنى موقفه بصورة معكوسة، “كانت حياتي الحقيقية في خطر، ليس لأنني كنت أخشى ما يقوم به الآخرون، بل لأنني خشيت عواقب الكراهية التي كنت أحملها في قلبي”. استشرف الخطر على الأفارقة الأمريكيين ليس فقط مما يُرتكَب في حقهم، بل من خطر استسلامهم للكراهية: “تجلس الكراهية في حضن حاملها وتسرّع في حركات أمعائه وتُملي على قلبه عدد نبضاته. إن تبريرك لحق المظلوم بأنّ يردّ بعنفٍ أشدّ، هو خلل جوهريّ، فإنسانيتنا هي حياتنا، هي العبء الذي نحمله على كواهلنا، ولسنا بحاجة إلى خوض معركة من أجلها، بل إلى أن نقوم بما هو أصعب بكثير، بكثير: أن نعرفها ونتقبّلها، ولم يسبق لأحد أن شعر بالراحة مع المعرفة!” 

رأى بالدوين أن أي تغييرٍ حقيقي ينطوي على وضع حدّ للعالم كما عرفه المرء على الدوام، والمجازفة بفقدان الأشياء التي وهبته هويته وكيانه القديم، وفي لحظة كهذه، “حين يكون المرء عاجزاً عن الرؤية، ولا يجرؤ على تخيل ما الذي سيأتي به المستقبل، يتشبث المرء بتجربته وبما حلم بامتلاكه” 

وعلى أمل أن يصبح العالم مسكناً آدمياً يتسع للجميع، يقدم بالدوين في “ملاحظات ابن البلد” نصيحةً لجيمس الصغير “لا تأخذ نصيحة من أحد، بما في ذلك نصيحتي، ثق بتجربتك فقط”. 

ومثلما دوّتْ صرخة (جيمس بالدوين) ذات يوم: “اذهب وأعلنها فوق الجبل..”، أعلن صرختك.. “لا توقيت لميلاد الصرخة إلا باشتداد الحاجة إليها..”  

أيها الشباب، لا تثقوا إلا بتجربتكم!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

من أعمال جيمس بالدوين: “اذهب وأعــلنها فوق الجبل”، “غرفة جيوفاني”، “بـلد آخر “، “النار في المرة القادمة”، “قل لي كم مضى على رحيل القطار”، “مجازر في اتلانتا”، “ذاهب للقاء الرجل”، “ملاحظات ابن البلد”.

اترك تعليق

الكاتب

اقرأ أيضا

تابعنا

شارك المقال