مفارقة العلمانية، إشكالية استيراد، وسوء تعريب

من المفارقة بمكان وضع العلمانية في سلة الإلحاد، فالمصطلح نحته المفكر الإنكليزي (جورج هوليوك) منتصف القرن التاسع عشر أساساً للتمايز عن الإلحاد والافتراق عنه، في محاولة منه لوصف نظام اجتماعي منفصل عن الدين، أراد أن يقول أن “العلمانية فقط مستقلة عن المسيحية وليست ضدها”. كما أن جميع الفلاسفة المحسوبين على العلمانية ( لوك، هوبز،سارتر، مونتسيكيو،فيخته، هيغل ..الخ ) لم يكن بينهم أحدٌ ملحداً، على الأقل لم يصرح أحدٌ منهم بذلك. (معظمهم كانوا ربوبيين: يؤمنون بوجود إله خالق ولا يؤمنون بالأديان ). 

جورج هوليوك

ولعل المفارقة الثانية هي أن المصطلح ذاته “العلمانية” ذو منشأ ديني بالأساس، وقادم من التمييز بين رجال الكنيسة المهتمين بشؤون الناس والمجتمع، وبين رجال الدين المعتكفين في الأديرة والمتفرغين لخدمة الرب، وهو ما جعل هوليوك ينحت ذلك المصطلح. أما علاقته بالعلم فهو تنسيب لاحق قامت به السرديات الكبرى كالماركسية التي قرأت التاريخ كعملية علمية  scularisation، وليس كما تصوره الأديان ( قصة التكوين والخلق).

 غالباً ما يلجأ الدارسون للتوافق على معان محددة لأي مصطلح، إذ يشكل المصطلح أهمية بالغة في رسم المسارات الفكرية والسياسية، وغالبا ماينحاز الشائع أو المتداول لدلالات بعيدة عن المضمون الموضوعي، ومن الصعوبة البالغة إقرار مصطلحات جديدة، فالهروب من خشية الوقوع في تشتت الفهم، يجعل من المفضل الإبقاء على ما هو متعارف عليه، ولا يعني ذلك عدم البحث عن توصيفات للمستجدات، بقدر ما يعني الموضوعية العلمية للحد من تباينات الفهم.

علمنة الدولة.. كيف بدأ سوء الفهم؟

هو سؤال شائك وسال فيه حبرٌ كثير:

الدولة العلمانية لاتمنع وجود أحزاب دينية، ولا تمنع مشاركتها في الحكومات أو ترؤسها ( تركيا مثالاً: حزب العدالة والتمنية وقبله حزب الرفاه)، كذلك فرنسا حديثاً (اتحاد الديمقراطيين المسلمين لديهم مقاعد في البرلمان )، إنما الممنوع وفق الإدارة العلمانية للدولة هو أن تحكم تلك الأحزاب وفق عقائدها الدينية، ( تعديل الدستور والقوانين)، كما حاول حزب الرفاه أن يفعل منتصف التسعينات وتم حظره بناء على ذلك بتهمة تهديد العلمانية.

وبالعودة إلى البدايات فقد أخذ  العالم الإسلامي معنى العلمانية من  مصدرين: بطرس البستاني وجمال الدين الافغاني. بيد أن ترجمة  الأفغاني للمصطلح ب( الدهروية) وضعتها _من غير أن يقصد صاحبها _ في مكان يسهل تقريبه إلى  الإلحاد، وجعل بذلك سوء الفهم أقرب ما يمكن إلى التصادم الهوياتي مع الدين، وللمفارقة (وهذه الثالثة) فإن ترجمة الأفغاني وتعريفه لها ب (الدهروية) ليس بعيداً عن حقيقة العلمانية  كمفهوم فلسفي بمعزل عن استخداماته اللاحقة كأحد مفردات علم الاجتماع السياسي الحديث. ففي تعريف الأفغاني الكثير من الدقة: (الدهر – أي زمننا هذا الذي نعيشه- في مقابل الزمن المقدس_ الأخروي_ الذي يبدأ بقيامة المسيح والخلاص ).

المعلم بطرس البستاني

إلا أنه وفي المقابل للأفغاني كلام كثير يشتم فيه دهروي الشرق، ويضعهم مع الكفار والزنادقة ومخربي الأوطان. ويقصد أهل السلطة، ذلك ربما ما جعل إسلاميو المشرق من العرب يقومون بتلويث المفهوم الذي نحته هوليوك في صراعهم الفكري مع أحزاب السلطة. (ربما : لأن المسألة بحاجة لبحث معمق). لعل الأفغاني من حيث لم يقصد، قد لوث مفهوم العلمانية في الشرق ووضعه في صراع هوياتي مع الدين الإسلامي الذي نتج عنه ما نزال نعيش مفاعيله حتى اليوم ( المؤامرة على الإسلام، الغرب المتحلل من الأخلاق، الى آخر السردية ) 

من جهة أخرى، إن تعريف الأفغاني لا يبتعد كثيراً عن تعريف بطرس البستاني، (العامي الذي لا يخدم الكنيسة) أي تمييزاً عن الإكليركي إذا ما رددنا المصطلح لسياقه التاريخي، حيث يمكن فهم كيف تفرعت من هذه الزاوية فكرة فصل الدين عن الدولة، حيث لم يكن يعني ولا وارداً أن من ينادي بالعلمانية كشكل للدولة هو شخص لاديني أو ملحد، إذ ليس ثمة علاقة. 

جون لوك

الإنكليزي جون لوك على سبيل المثال الذي يحب الكثيرون وصفه ب أبو العلمانية (مع أنه مات ولم يسمع بمصطلح العلمانية)، كان هو ذاته رجل دين ومتعصب لمذهبه البروتستانتي ولم يقبل التسامح مع الأقلية الكاثوليكية في بريطانيا. في الحقيقة كان لوك يطالب بفصل الدولة عن الدين وليس العكس. ولعلها المفارقة الرابعة.

إقرأ ايضا:

قراءة في كتاب المفكر مصطفى حجازي (التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجيا الإنسان المقهور)

اترك تعليق