نبتدي منين الحكاية

ناجيات العنف الأسري
اللوحة ل هيلين الحرفوش

يمكن أنا السبب. هذا أول ما نطقت به عليا، (وهو اسم مستعار لـ إحدى الناجيات) أثناء مقابلتي الأولى معها بعد أن مرت دقائق من الصمت. كنت أراقب وجهها الشاحب بانتظار الحكاية. سيدة ثلاثينية بدا عليها التوتر والارتباك الشديد. لتتابع بعدها: “ظننت بصبري سأحتوي عصبيته. منذ بداية زواجنا كان يثور على أبسط التفاصيل. يراقب تحركاتي ويفتش هاتفي، ويتحدث بنبرة اتهامية على أي شيء، يهدد بالهجر، ولا يترك لي مجالاً للتوضيح

 بعد مولودنا الأول ازدادت الحالة سوءاً، ما زلت أذكر حالة الذعر التي أصابتني بعد أن تلقيت الصفعة الأولى لأني عجزت عن إيقاف بكاء رضيعي. من بعدها بدأ العنف بالتصاعد حتى طال طفلي أيضاً. مؤخراً بدأ يستخدم قوته البدنية لإجباري على ممارسة العلاقة الجنسية. أنا الآن حامل، ولا أرغب بالإنجاب ثانية، لكنه يتحكم باستخدام الأدوية وسائل منع الحمل. 

وفي كل مرة كانت الذريعة الضغوط المادية، وأعباء الحياة. حتى في المرات القليلة التي حاولت اللجوء فيها لوالدتي ــ التي حاول مراراً منعي من التواصل معها ــ كانت تلومني. تقول انني السبب. ربما تقصيرين بواجباتك تجاهه، أو لا تسمعين كلمته. وينتهي الحديث دوماً بذات العبارات: “اصبري لك بنتي، كل الرجال هيك. بدك تعرفي كيف تسايريه”. إلى أن قررت ألا أشارك أحداً بما يحدث”. استأذنت طالبة الانصراف، تاركة قلقها و قهرها هائماً وسط الغرفة

 كانت (عليا) ضحية جديدة من ضحايا العنف الأسري اللاتي أقابلهن بحكم عملي كمرشدة اجتماعية. واللواتي تتقاطع قصصهن بالعديد من الزوايا المشتركة: إما محاولاتهن تبرير سلوك الشريك، بالرغم من شعور الناجية بالخوف من الطريقة التي يتصرف بها. أو يحملّن أنفسهن مسؤولية مشاعر أو أفعال الشريك. مع تدنٍ في تقدير الذات والعجز عن اتخاذ القرارات. كان لدى البعض قناعة أن الشريك سيتغير إذا غيرن من أنفسهن. 

الإساءة الأسرية

بحسب ما ورد في ‘دليل هيئة الأمم المتحدة للمرأة’: “الإساءة الأسرية، التي تسمى أيضاً العنف الأسري، هو نمط سلوكي في علاقة ما، يُمارَس لإحراز السلطة و السيطرة على شريك حميم، والإساءة هي مجموعة أفعال جسدية أو جنسية أو عاطفية أو اقتصادية أو نفسية، تؤثر في شخص آخر، أو هي التهديد بارتكاب هذه الأفعال”.

 كما يرد في الدليل بأن “العنف الأسري يحدث على نحو يومي في جميع أنحاء العالم. حيث تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء للعنف الجسدي أو الجنسي، وعادة ما يتم ارتكاب العنف الأسري خفيةً، لذلك يبقى طي الكتمان. كما أن الكثير من السيدات تتعرضن للإساءة دون أن يدركن ذلك.

****

تتحدث سناء، (اسم مستعار أيضاً) عن معاناتها مع شريكها الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً قائلة: “بدأت الحكاية عندما تم تهجيرنا من محافظتنا عام 2014. بعد النزوح ازداد والدي انغلاقاً و تشدداً، وبتُّ أنا وأخواتي الثلاث مصدر قلق له ولجميع أفراد الأسرة. وما زاد الوضع سوءاً حينها، كان طلاق أختي الصغرى التي لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها. بعد أن دام زواجها سنة تلقت خلالها شتى أنواع التعنيف. كنت ما أزال خريجة جديدة من كلية التربية، عندما تقدم لخطبتي رجل ثري من عائلة متدينة. لم أعُطَ حق تقرير المصير، بل وافق والدي على الزواج دون سؤالي عن رغبتي. وكان شرط الزوج الوحيد منذ البداية أن لا أعمل خارج المنزل.

 بعد الزواج، أصبح يسخر أمام العائلة من تخصصي، ويقلل من شأن تحصيلي الدراسي بشكل متكرر. وبالرغم من ثرائه إلا أنه كان يتعمد إهمال احتياجاتي المادية، و يتلاعب بي نفسياً مقابل تحقيقها. أنا الآن أم لطفلين واكتشفت مؤخراً العديد من علاقاته مع نساء أخريات. لم يكترث عندما واجهته بالأمر. مؤخرا تراودني الكثير من الأفكار المتعلقة بالانتحار أحاول مقاومتها، لكنها تصبح أكثر إلحاحاً. أشعر أن الموت هو المخرج الوحيد من هذه العلاقة. فقد مللت حالة الاستهزاء والإذلال أمام عائلتي وأمام الأطفال. تتملكني دوماً حالات من الحزن والغضب. غالباً أفرغها بتعنيف أطفالي. ثم يستحوذ عليّ الشعور بالذنب وتأنيب الضمير. أشعر أنني أم سيئة، وأستحق ما يحدث لي. 

لم تحمِ الشهادة الجامعية هذه السيدة من العنف الأسري، وحرمانها من الموارد والفرص، فكل شخص عرضة للوقوع ضحية الإساءة الأسرية أيا كان عرقه أو عمره أو توجهه. وتطال الإساءة الأسرية أشخاصا من كافة الخلفيات الاجتماعية، والاقتصادية من مختلف مستويات التعليم. كما يمكن أن يكون الأطفال من ضحايا الإساءة الأسرية أيضاً.

لم تكن (سناء) الناجية الوحيدة التي قابلتها، وكانت تتعرض للإيذاء العاطفي، وتعاني من اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب والقلق، واضطراب الشدة ما بعد الصدمة. 

ففي قصص الناجيات، كانت تتعدد أنماط سلوك الشخص المسيء الذي يهدف لفرض السلطة والسيطرة وإدامتها على الشريك. لكن في معظم الحالات لا تتنبه الناجية لأنماط سلوك المسيء. إلا إذا تجسدت باعتداءات جسدية أو جنسية. متجاهلة العديد من أشكال الإساءة الأخرى، مثل الإساءة النفسية، والعاطفية التي تشتمل على تقويض شعور الشخص بقيمته لذاته. من خلال انتقاده الدائم، والحط من قدراته، أو إفساد علاقته بالأطفال، أو منعه من لقاء الأسرة والأصدقاء. واستخدام الترهيب لزرع الخوف أو التهديد بإلحاق الأذى الجسدي بالنفس أو بالشريك أو بالأطفال. أو الإساءة الاقتصادية التي تعمل على جعل الشخص، أو محاولة جعله، مرتهناً مالياً بإحكام السيطرة على الموارد المالية، أو حجب المال عنه أو منعه من الذهاب إلى العمل . ومن الممكن أن تأخذ الإساءة النفسية والعاطفية والاقتصادية، منحىً تصاعدياً في تواترها وحدتها، وقد تتطور لتنتهي بإصابة جسدية خطيرة أو بالوفاة 

أسئلة يجب أن تطرح 

بعد مغادرة كل ناجية، كنت دائماً أتساءل عن جذر هذه المشكلة الخطيرة التي تعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، ولأبسط مقومات الحياة الآمنة والكريمة. لا بد أن أسباباً كثيرة ومعقدة تكمن خلف استمرارها. رغم العديد من البرامج التوعوية والمبادرات والمنظمات النسوية التي تعمل منذ سنوات طويلة في هذا الحقل.

ثمة الكثير من الأسئلة يجب أن تطرح. لاسيما في ظل ظروف الحرب والنزوح وتردي الوضع المعيشي، وغياب الأمان، وما يتسبب به من الخوف، وانعدام الثقة بأي بالمرجعية القضائية، بحيث تشعر النساء بعدم جدوى اللجوء إلى الشكوى.

هل يكفي إلقاء اللوم على الخلل المزمن في القوانين وقصورها عن حماية النساء المعنفات؟

 قصة (عليا و سناء) مجرد قصتان من آلاف القصص التي مازالت تحدث في سوريا كل يوم، دون وجود دعم اجتماعي، أو أدنى حماية قانونية، فلا يوجد في سوريا قانون خاص يتعامل مع العنف المنزلي، وخاصة ضدّ النساء، فقد تعامل القضاء في سوريا مع هذا النوع من الجرائم مثلها من باقي الجرائم المتعلّقة بالإيذاء والمشاجرة المنصوص عليها في المادة (540) وما بعدها، من قانون العقوبات السوري العام. وغالباً، لا تقوم الزوجة بتقديم أي شكوى ضد زوجها خوفاً من الوصمة الاجتماعية.

خلال عملي لسنوات عادة ما كانت تشعر السيدات بالحيرة من أين سيبدأن الحكاية، أو إذا ما كان هنالك جدوى من الكلام؟ 

لا أعلم إن كنت أمتلك جواباً على هذا السؤال، سوى أني دائماً كنت أطلب منهن أن يتجرأن على الحديث، أن يحرّرن تلك الحكايا. فلا تبقى رهينة صدورهن، وسجينة خلف جدران المنازل، على أمل أن لا تبقى تلك الحكايات مجرد تقرير يرسل للإدارة، وفي أحسن الأحوال، مقالاً باسم مستعار .  

اترك تعليق