واقع التعليم في محافظة درعا

صدى الجنوب
،،
تعد محافظة درعا واحدة من أكثر المحافظات السورية تقدماً من حيث التعليم ، حيث أعلنت مطلع العام 2010 م محافظة خالية من الأمية . ومع بداية الاحتجاجات في سوريا مطلع العام 2011م بدأت المشاكل تضرب كافة قطاعات الحياة العامة في البلاد ، ولم يكن قطاع التعليم بمنأىً عن تلك المشاكل ، فمع مرور الوقت بدأت تتفاقم مشاكل التعليم وتتعقد مما أدى إلى تدهور العملية التعليمية الأمر الذي ينبئ بجيل أمي جاهل .
وبالحديث عن قطاع التعليم في محافظة درعا فقد عانى هذا القطاع من سنوات الحرب الماضية ، ولاسيما مع تحول الاحتجاجات السلمية في المحافظة إلى احتجاجات عسكرية . فقد تعرضت مئات المدارس الحكومية والمراكز التعليمية التي كانت تديرها منظمات مجتمعية لدمار هائل إثر المواجهات العسكرية وعمليات القصف المتبادلة بين الأطراف المتصارعة . ومع انتهاء الحملة العسكرية على محافظة درعا منتصف العام 2018 م ، عاد أهالي مدن وبلدات المحافظة إليها بعد أن نزحوا بسبب ضراوة المعارك بين الأطراف المتصارعة ليجد الكثير منهم منازلهم مدمرة أو محروقة أو منهوبة . ولم تسلم المنشآت الخدمية ومنها التعليمية من المصير ذاته . فقد بلغت نسبت المدارس التي تعرضت للدمار 45% من مجموع المدارس في محافظة درعا ، حيث تم استهداف 433 مدرسة من أصل 988 في المحافظة ، وتشمل مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية مما شكل معضلة حقيقية في سير العملية التعليمية تمثلت بصعوبة استيعاب أعداد الطلاب فيما تبقى من مدارس المحافظة التي نجت من الدمار والتخريب . وتتفاوت نسبة الدمار في المدارس في محافظة درعا من منطقة لأخرى وتتصدرها الأحياء التي كانت تخضع لسيطرة فصائل المعارضة بمدينة درعا والتي كانت خط مواجهة مع القوات العسكرية للحكومة السورية إذ بلغت نسبت المدارس المدمرة فيها 70% وبنسبة أقل قليلاً تأتي مدينتا بصر الحرير والحراك اللتان كانتا لهما النصيب الأكبر من شراسة الحملة العسكرية الأخيرة على المحافظة منتصف العام 2018 م ثم باقي مدن وبلدات المحافظة التي لاتتعدى نسبة الدمار فيها 25% .
بعد سيطرة قوات الحكومة السورية على محافظة درعا منتصف العام 2018 م ،عجزت وزارة التربية عن ترميم المدارس الحكومية المدمرة مما أدى إلى اكتظاظ الطلاب في الغرف الصفية في المدارس المتوفرة والداخلة في الخدمة التعليمية ، وخصوصاً في مدارس التعليم الابتدائي ممايسبب مشاكل كبيرة تؤثر سلباً على الطلاب والمعلمين . حدثتنا المعلمة ( أ . م ) وهي إحدى معلمات المرحلة الابتدائية في بلدة معربة في الريف الشرقي من محافظة درعا قائلة : ” إن معظم المدارس في البلدة تعاني من تكدس الطلاب في الغرف الصفية حيث أجبرت الإدارة في بعض المدارس الابتدائية على وضع 50 أو 60 طالباً في غرفة صفية واحدة مما يؤثر سلباً على سير العملية التعليمية ” . وفي حين تكتظ الصفوف بالطلاب في المدارس الابتدائية خاصة ، تعاني تلك المدارس من قلة توفر المقاعد الدراسية الكافية للطلاب ، مما اضطر مدراء المدارس لوضع ثلاثة أو أربعة طلاب في مقعد واحد وهو الذي يتسع لطالبين في الحالة الطبيعية وهذا يسبب عدم أريحية للطلاب وتشتيت انتباههم ويساعد على انتشار الأمراض في ظل انتشار جائحة كورونا . أما ( ح . ف ) وهو مدرس في إحدى مدارس مدينة بصرى الشام فقد تحدث عن نوع آخر من المشاكل التي تعاني منها المدارس قائلاً : ” إن المدارس الحكومية جميعها تعاني من مشاكل كبيرة بالمرافق العامة التابعة لها وخاصة المرافق الصحية ودورات المياه ، التي تحتاج معظمها إلى الترميم بسبب الدمار الذي أصابها ، إضافة إلى انقطاع الماء بشكل شبه دائم عنها وعجز الإدارات المدرسية عن شراء صهاريج المياه ” . وأردف الأستاذ ( س . ف ) وهو مدير إحدى المدارس قائلاً : ” لقد خاطبت مديرية التربية في المحافظة مراراً وتكراراً بغية ترميم المرسة وتأمين المستلزمات الضرورية لسير العملية التعليمية لكن لم ألقَ آذان صاغية ” . بالإضافة للواقع المتردي للمنشآت التعليمية وبدل أن تعمل مديرية التربية على إعادة تأهيلها ، قامت المجموعات العسكرية التابعة للحكومة السورية بالاستيلاء على بعض تلك المنشآت وتحويلها لثكنات عسكرية ، حيث تم توثيق سيطرة القوات الحكومية على 10 مدارس تتوزع على مناطق مختلفة من المحافظة من بينها ” مدرسة الثورة “بحي المطار التي تحولت لمرآب سيارات تابعة لفرع الأمن العسكري . كما استولت قوات الحكومة السورية على كلية الآداب الثالثة التابعة لجامعة دمشق على طريق المزيريب – اليادودة غربي محافظة درعا ، والمركز الثقافي في مدينة جاسم في ريف درعا الشمالي .
وعن خسائر القطاع التعليمي مابعد سيطرة الحكومة السورية على المحافظة ، فإن محافظة درعا خسرت كل الجهود والخدمات التي كانت تقدمها منظمات المجتمع المدني سواء من خلال إنشاء مراكز التعليم والحماية أو دعم المنشآت التعليمية وترميمها وصولاً إلى التوزيعات التي كانت تخفف العبء عن الأهالي رغم عدم كفايتها بالإضافة لتوقف كل فرص التدريب وبناء القدرات لعدد من العاملين في مجال التعليم . كما خسرت المحافظة مراكز الدعم النفسي التي كانت تهدف لإخراج الأطفال واليافعين من أجواء الحرب من خلال النشاطات الترفيهية وحملات التوعية لمقدمي الرعاية وتأمين بيئة صديقة للمستفيدين ، وبرامج دعم التعليم .
ونقلت الطالبة ( ف . س ) معاناة فئة أخرى من الطلاب الذين التحقوا بالمعاهد والمدارس التابعة للحكومة السورية المؤقتة خلال سنوات سيطرة المعارضة على المنطقة حيث قالت : ” أجبرت وزارة التربية آلاف الطلاب على الخضوع لامتحان السبر وإعادة تقديم امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية ولم تقبل بالشهادات الصادرة عن حكومة المعارضة فانعكس ذلك سلباً على مستوى التعليم المتردي أصلاً ” .
نقص الكادر التعليمي في محافظة درعا ….
من المشكلات الرئيسية التي يعاني منها قطاع التعليم في المحافظة النقص الحاد في الكادر التدريسي وخاصة في الاختصاصات الأساسية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغتين الانكليزية والفرنسية إضافة إلى النقص في معلمي الصف للحلقة الأولى . ولعل السبب الأساسي في هذا النقص الحاد بالكوادر التعليمية يعود إلى هجرة بعض المدرسين إلى خارج البلاد خلال سنوات الصراع المسلح ، وكذلك عزوف بعض المدرسين عن الالتحاق بالتدريس ولجوئهم إلى عمل آخر نظراً لقلة أجور التدريس وغلاء المعيشة حيث يتقاضى المدرس من داخل الملاك أجر شهري لا يتجاوز 80 ألف ليرة في أحسن الأحوال(حوالي 22دولار) . أما عن المدرسين من خارج الملاك فالأمر أسوأ بكثير. ولمحاولة سد هذا النقص في الكادر التعليمي قامت مديرية التربية بإجراء عدد من المسابقات لتثبيت المعلمين لكن دون جدوى حيث أدت المسابقات إلى فائض في بعض الاختصاصات واستمرار النقص في المواد العلمية واللغات الأجنبية ، وفائض في مناطق وعجز في أخرى وذلك بسبب عدم قدرة المعلمين على التنقل بين القرى والبلدات بسبب غلاء المواصلات . هذا النقص الحاد في الكوادر التعليمية وصعوبة المناهج يضطر أولياء الأمور إلى الدروس الخصوصية لتعليم أبنائهم رغم تكلفتها العالية والتي تتراوح بين 4000 و8000 ليرة سورية للجلسة الواحدة حرصاً منهم على تفوق أبنائهم وخاصة في الشهادة الثانوية .

التسرب المدرسي …..

رافق الواقع التعليمي السيء في المحافظة تحديات كبيرة في الجانب النفسي لدى الطلاب ، وأدت بشكل كبير إلى انتشار ظاهرة ” التسرب المدرسي ” في ظل عدم وجود رعاية مجتمعية تهديهم إلى الطريق الصحيح خلال سنوات الحرب الطويلة ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها المحافظة . وفي حديث مع أحد المعنيين في قطاع التعلبم في المحافظة أخبرنا قائلاً : ” إن نسبة التسرب المدرسي ارتفعت كثيراً في الوقت الحالي بسبب الظروف الاقتصادية السيئة التي تلعب دوراً كبيراً في ذلك ، واضطرار الأطفال للعمل وخصوصاً الذين فقدوا المعيل خلال الحرب ” .
انتشار المخدرات بين طلاب المدارس….
على مر سنوات الصراع في سوريا يبدو أن تجارة المخدرات هي التجارة الوحيدة التي ازدهرت في جنوب البلاد فخلال سيطرة المعارضة السورية على محافظة درعا لم يهدأ نشاط مهربي المخدرات ، وحتى بعد استعادة الحكومة السورية السيطرة على المحافظة ، ماتزال هذه التجارة مستمرة وبشكل أقوى مما كان عليه سابقاً . فالهدف من نشر وترويج المخدرات في حوران هو ضرب قواعد المجتمع من المراهقين وصغار السن . وقد وجد تجار المخدرات ضالتهم في المدارس لنشر وترويج بعض أشكال المخدرات مثل ” حبوب الهلوسة و الحشيش والترامدول المخدرة ” حيث أن الشباب قادرون على دفع ثمن تلك المواد لأنها رخيصة الثمن وفي متناول الجميع

اترك تعليق