التعافي المبكّر والمرأة السوريّة 

              

نشرت الحركة السياسيّة النسويّة لعام 2023 ورقة سياساتيّة للتعافي المبكّر من منظور النساء السوريات، تهدف للوصول إلى فهم أعمق لأراء مجموعة من النساء السوريات من مناطق سوريّة مختلفة، ولتوضيح مواقفهن وتطلعاتهن حول القضايا المتعلّقة بالشأن السوري والعمليّة السياسيّة، وإيصالها للجهات المعنيّة السوريّة والدوليّة، حيث ترى هذه الدراسة أنّ إشراك النساء في طروحات التعافي المبكّر بما يقدّمه من إمكانيّة خلق فرص عمل إضافيّة لمشاريع صغيرة ومتوسطة، تعزز صمود النساء، وتدعم استدامة التنمية، وصياغة ملامح التغيير الاجتماعي. فتحقيق العدالة بالنسبة للنساء على المستويات كافةً، السياسيّة، والاقتصاديّة، والقانونيّة. هو جزء غير منفصل عن التعافي المبكّر، وتحقيق التماسك المجتمعي، وبناء السلام. 

 تشكل برامج التعافي المبكّر في الواقع السوري خطوة مهمّة للتخلّص من الآثار السلبيّة للصراع والحرب على المجتمع والأفراد بأسرع وقت وأقلّ الأضرار. خاصةّ عند النساء، كونهنّ من الفئات الأكثر تضرراً. لكن تعقيدات الواقع السوري وخصوصيّته، جعلت من مفهوم التعافي المبكّر يشكّل نقطة خلاف كبيرة في الدوائر الإنسانية. ففي السنوات الأخيرة، نتيجةً لتباين الآراء حول هذا المفهوم، ظلّ الباب مفتوحاً على تفسيرات شتى لماهيته. في عموم الحال ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإنّ “التعافي المبكّر: نهجٌ يلبي حاجات التعافي في مرحلة الاستجابة الإنسانيّة للطوارئ”. بعبارة أخرى، يمكن تعريف هذا المفهوم على أنّه استعادة الخدمات الأساسيّة والرئيسيّة التي تمكّن المتضررين والمتضررات من الاعتماد على أنفسهم/ن اعتماداً أكثر استدامةً. بدلاً من الاتكاء المستمر على منظمات الإغاثة في تلبية احتياجاتهم/ن الأساسيّة. 

ولأن الأوضاع المعيشية والاقتصادية تنعكس بشكلٍ أكبر على النساء، بسبب الفوارق الاجتماعيّة وحالة التمييز بين الجنسين من حيث الفرص والقدرةِ في الوصول إلى الموارد. خصوصاً بعد أن دفعتهن الظروف لتحمل مسؤوليّاتٍ مضاعفةٍ لكسب العيش، وإعالة أسرهن وأطفالهن. فإن اتباع نهج التعافي المبكّر وإشراك النساء فيه، يحتاج إلى مقاربات مختلفة لتنفيذها في الحالة السوريّة، لارتباطها بمجمل القضايا التي تتحكم فيها قوى السيطرة المجتمعيّة، وتحتاج قدراً كبيراً من التجاوب المحلّي. هذا ما يلقي على عاتق منظمات العمل المدني، باعتبارها منخرطة بشكل كبير في الحياة السياسيّة، وفي برامج التعافي المبكّر، صعوبات عديدة للتخفيف من الظروف المأساويّة، والحدّ من تفاقمها. وبالأخص للنساء، ويجعل الأخذ برؤية النساء أمراً بالغ الأهمية، لإنجاح عمليّة التعافي المبكّر.

تأنيث الفقر

 ما يحدّ واقعياً من فعاليّة المرأة الاقتصاديّة في الوضع السوري ويساهم في “تأنيث الفقر”، يعود حقيقةً لغياب البيئة الداعمة، والتحيّزات الجنسانيّة والاجتماعيّة، خاصّةً أنّ زيادة أعداد العاملات السوريات، لم يسهّل لهن الطريق في ظل غياب قوانين الحماية، والحرمان من الإمكانيات والفرص. وأيضاً في ظلّ انخفاض القيمة الحقيقيّة للدخل، وعدم تغيير النظرة المجتمعيّة، التي ترى أنّ الرجل هو المسؤول عن الإعالة. وأنّ الحاجة إلى الدخل هي الدافع الوحيد لعمل النساء، فتقاطع الأوضاع الأمنية والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يمتد على كامل حياة النساء الخاصّة والعامّة، ويزيد من إقصائهنّ وإذلالهنّ وحرمانهنّ من حقوقهنّ الأساسيّة في الصحّة والتعليم، حيث انعكست من خلال زيادة ظاهرة الأميّة في صفوف الفتيات، وارتفاع حالات الزواج المبكّر وعمالة الأطفال، وبيع الأجساد مقابل المال.

يمكن تلخيص التحديات والمعوقات التي تواجه النساء السوريات في مسار التعافي المبكّر والتي تحدّ من قدرتهن على المساهمة في عمليّة التعافي:

1ـــ التمييز والعنف سواءٌ داخل المجتمع أو كجزء من النزاع، ممّا يعيق قدرتهن على العمل والمشاركة بفعّاليّة.

2ــــ الحواجز الاقتصاديّة. والتي تشمل نقص الفرص الوظيفيّة والتدريب المهني، وصعوبة الحصول على التمويل والقروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

3ـــ المخاطر الأمنيّة، خاصةً عند المشاركة في الوساطة والتفاوض في النزاعات المحليّة، التي تحدّ من قدرتهن على بناء السلام.

4 ــــ الوصول إلى التعليم والرعاية الصحيّة، حيث تؤثر على قدرة النساء في تحسين ظروفهنّ الحياتيّة والمشاركة في عمليات التعافي.

5ـــ خضوع منظمات العمل المدني لسلطات الأمر الواقع المختلفة، وانتشار الفساد، ما يعزز التفرقة، والفئوية باستهداف المناطق أو الطوائف أو الإثنيات، ويقلّص فرص النساء ويهمش أدوارهن

****

 للتغلّب على المعوقات التي تواجه النساء في التعافي المبكّر، لا بد من اتباع استراتيجيات تقوم على تعزيز الوعي والتغيير الثقافي اتجاه قبول مشاركة المرأة في الحياة العامّة. والتمكين الاقتصادي الذي يزيد من مهارة النساء ويحسن فرصهن الوظيفيّة. إضافة إلى تسهيل الحصول على القروض الميسّرة والدعم المالي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولا بدّ من التركيز على التعليم والصحّة في تعزيز قدرة النساء وصحتهن. كما أنّ توفير الحماية والأمان يمنح النساء بيئة آمنة للمشاركة في التفاوض والوساطة في النزاعات المحليّة. والدعم القانوني والسياسي سيسهم في تعديل القوانين لضمان حقوق النساء وحمايتهن من العنف والتمييز، وفي تمكين النساء من المشاركة في صنع القرار والعمليات السياسيّة. إن التعاون مع المنظمات الدوليّة، يسهم في بناء شراكات تدعم مشاريع تمكين النساء وتحقيق التعافي المستدام.

اترك تعليق