الخاتم

الفائزة بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة( أقلام ملونة) 2022

منتها شريف ناصيف

تَعثَّرَت خُطواتي بِحجارةِ الرَّصيف المُحفَّرِ، وكدتُ أن أهوي فوق أوعية البيدونات المصطفة كالعساكر وقد بَدت فُوهاتها مثل ألسنةٍ ممدودةٍ تتقصدُ إغاظتنا بعد أن بات الحصول على ما تَحويهِ أمراً صعباً . تَقدمتُ اتجاهها لأبحثَ عن ضالتي: ليتران من الكاز سيكفيانني للطبخ وتسخين الماء بضعة أيام، ريثما تصلني رسالة تبشَر بأنّي أستطيع الذهاب لاستلام عبوة الغاز الموعودة، والتي غالباً لن تأتي. لم أكن أجرؤ في السنوات السابقة على دخول أي من هذه الكولبات أو الدكاكين الصغيرة المصنوعة من الصفيح المعدني التي احتلت الأرصفة، فبيع أصحابها للمحروقات ليس سوى تغطية على التجارة بممنوعات انتشرَت كالفطر السّام في غياب القانون. إلا أن غياب زوجي القسّري، وسفر أولادي، جعلاني أقوم بأفعال كثيرة لم تكن في الحسبان.  

دَخلتُ أول كولبة صادفتها وفي يدي تتأرجحُ عبوة بلاستيكية فارغة ما أن ملأها أحد الصبية بزيتِ الكاز، حتى أخرجتُ من جيبي ثمانية آلاف ليرة كنت قد جهّزتها مسبقاً وحرصتُ أن أرتبها فوق بعضها حتى أختصر وقت تواجدي هناك. ناولته إياها وهممت بالرحيل، لكن الصبي الذي فتَلها بين أصابعه بخفةٍ وعدَّها بسرعة لم أُتقنها طوال سنوات عمريَ الخمسين، صدمني قائلاً:  

  • ناقص أربع مئة ليرة… ثمن الليتر اليوم أربعة آلاف ومئتا ليرة!

كنت أعلم أن ثمنها يرتفع كل مدة، فهذه السوق غير خاضعة لأي قانون، لكني لم أتوقع أن يرتفع بين عشية وضحاها. فتحتُ حقيبتي بِخجلٍ أفتشَ فيها عن المبلغ، برغم علمي أنيّ لن أجد ليرة واحدة، فأنا بالكاد استطعت جمع الثمانية آلاف. فكرت لو أنِّي، بدل التعليم، أتقنت فنَ مكاسرةِ البائعين، لسعيت إلى خفض السعر كما تفعل أغلبُ النساء هنا. لكني، بدل ذلك، قررت أن أطلب إنقاص العبوة لتصبح بمقدار ما معي من نقود. لكن الصبي الذي غاب لحظات، عاد وقال لي: “واصل”، مشيراً إلى شاب يجلس في الداخل.

اتجهتُ نحوهُ لأشكره، وقبل أن أصل اليه، لاقاني بصوته الساخر:

  • أهلين بالمعلمة اللي خربتلي حياتي

 تلفَّتُ حولي لأتأكد إن كان يقصدني أنا، ولم يكن هناك أحد غيري في المكان، فنظرتُ اليه مستغربة. شاب عشريني، طويل القامة بشعر أسود يشوبه بعض الشيب، يحملُ على جانبه مسدسا ويدخن بشراهة. عيناهُ المحمرّتان أرعبتاني، ولم يكن لساني قادراً على النطق. أيكون ما يتعاطاهُ من دخان وحبوب قد أثَّر على عقله وجعلهُ يخلطُ بيني وبين معلمة أخرى! فكَّرتُ بالهرب على الفور، لكنَ زوبعةً من الأسئلة حاصرتني وسمَّرت قدميّ بالأرض. لابد من المواجهة لتنقشع الحقيقة وأرتاح. سألته بعد أن استجمعت شجاعتي:

  • ليش عم تقول هيك، أنت بتعرفني؟ 

قام من كرسيه ودنا مني بهدوء، بعد أن أطفأ سيجارته بنعل حذائه. صَمتَ مطولاً وهو يحدِّقُ بي، قبل أن يسألني: 

– بعدك بتلبّسي تلاميذك خاتم الأمنيات؟ بعدك بتلعّبيهم نفس اللعبة؟ 

تبدّلت ملامحه القاسية فجأة وعلى وجهه لاحت ابتسامة جعلتهُ يبدو أكثر وداعة، وجعلتني أتذكرهُ جيداً. لطالما اعتقدت أن ابتسامات البشر أهم من هوياتهم، فهي نادراً ما تتغير. وَرثتُ ذلك الهوَس بقِراءةِ الابتسامات عن جدتي العمياء، كانت تَبتسم كلما بادرها أحد بابتسامة، وتقول كلما سألتها عن سرِّ رؤيتها الابتسامات وهي الضريرة: للابتسامة رائحة تبلغ الأعماقِ عندما تكون حقيقية. سألته لأتأكد من صدق إحساسي: جاد؟ فهزَّ رأسه مؤكداً وكبرت ابتسامتهُ، فتسارعت دقات قلبي وتسلل عطر خزامى يملأ المكان. نعم، كانت ابتسامته بعطر الخزامى البريّة وقد أعادت إلى ذاكرتي ملامحه البريئة طفلا. “كنت بالصف الأول عندما ألبستِني خاتم الأمنيات ووضعت لي تاجا على رأسي قائلة: انت الآن ملك الكون، اطلب من الخاتم وتمنَّ”، قال جاد متنهّدا، قبل أن يكمل:

 – ما كان لازم تخلينا نحلم، طلعت الدنيا أضيق من الخاتم، وطلعت الأحلام كلها كذبة كبيرة .

دار الزمن حولي للحظات، فتلاشت كل التفاصيل ولم يتبق سوى لمعان عينيّ جاد وهو يتحدث عن الخاتم الأرجواني الصغير ذي الخرزة الزرقاء. كنت أخبر الأطفال أن قدرته السحرية لا تقف عند حدّ، وأنه يستطيع أن يحقق كل الأمنيات ما أن تلمس أصابعهم الصغيرة خرزته الزرقاء. يستمعون إليّ، ثم يستسلمون لعالم الخيال، بعيونهم المغمضة وحركات أيديهم. الكثير من أمنياتهم ما زال حاضراً في ذاكرتي: معانقة الريح، بناء مدرسة من السكاكر، تحطيم كل الجدران والعيش في غابة، شُرب عصير الغيم، واستعارة قبعة القمر…

 حاولت أن أتذكر أمنية جاد، لكن ذاكرتي المثقوبة خانتني. ما تذكرته كان طفولته الصعبة، لم تَسمع أمّهُ صرختهُ الأولى، إذ فارقت الحياة قبل أن يفتح عينيه. كان حليبه الأول من ضرع عنزة ، حَرِصَ أن يرسمها على دفاتره وفي كل أمكنة جلوسه لأنها كانت مصدر الأمان الوحيد بالنسبة اليه. بعد وفاة جده هرب جاد من ظلم زوجة ابيه.

جلست أستمع إليه كتلميذة، غير عابئة بنظرات الناس وهمساتهم. أخبرني أنّه، عند كل مأزق يقع فيه، كان يتذكر الخاتم ويتمنى لو كان حقيقة. حدثني عن سطوة الجوع والبرد وذلّ الشارع، عن الحرب التي نجحت بإيجاد فرص كثيرة لأمثاله، كيف كان يفرح بكل ورقة نقدية يدسها في جيبه، فقد كانت النقود وحدها التعويض عمّا فقده. كان الشارع بيته ومدرسته لسنوات، علَّمه أن يستبدل الضعف وقلة الحيلة بالقسوة والجسارة، و الخوف من المجهول بالمواجهة والضرب بكل قوة، والقلم والكتب بالسلاح. شُدهت عندما لفظ كلمة سلاح، فانتبه وأكد: 

– نعم ! السلاح بدل القلم، شو نفع القلم والعلم بهذا الزمن؟

تبددت رائحة الخزامى وبدأت الدموع تتساقط من عيني، وشعرت للحظات انني هشّة مثل قشة قمح في نهاية صيف. ها أنا عالقة في الفراغ، مع أسئلة تلتف حول عنقي وتخنقني، أين أصبح تلاميذي الذين علمتهم طوال تلك الأعوام، ماذا حلّ بأمنياتهم، وأي خاتم يستطيع إعادتها إليهم؟! كنت أفكر بهذا كله وأنا مثبتة النظر على مسدسه، فأضاف ضاحكا:

– ماقلتلك إنك خربتيلي حياتي… أحمل هذا المسدس كي يهابني الآخرون فقط، أقسم لك أنّي لم استخدمه أبدا. كلما طُلب مني الضغط على الزناد، أتذكر الخاتم وكلماتك حول أمنياتنا التي لا تتحقق إذا آذينا الآخرين..   

– لكنك تبيع الممنوعات وهي ليست أقل فتكاً من مسدس!

قاطعني جاد بحدة: انا لا أناديهم! هم من يأتون إليّ بمحض إرادتهم، قبل أن يضيف ممازحاً: لولا بضاعتنا هذه، لما استطاع الناس التحمّل… لكانوا انتحروا من زمان.

وقفت أودّع جاد متمنية أن نتقابل مجدداً لنكمل حديثنا. نظرت إليه، فرأيت ذلك الطفل أمامي يتحول ذئبا، تمنيت لو أصفعه بشدة، ثم أضمه وأبكي معه. مشاعر متناقضة انتابتني، جعلتني أنصرف من أمامه بسرعة قبل أن أفعل شيئاً أندم عليه لاحقاً. مشيت والأسئلة تتزاحم في رأسي. ماذا حل بأمنيات البشر؟ لكزتني رائحة عبوة الكاز التي أحملها بيدي، مختصرة ما آلت اليه حالتي.

وصلت للبيت لاهثة. لا وقت للتفكير الآن. علي أن أنهي طبختي. أحضرت البابور القديم الذي كان لجدتي، أصرَّت أن يبقى بكامل عدته:  قمع معدني لملئه ونكّاشة  ذات رأس إبري حاد لفتح ثقبه عند اللزوم. حبَّرتُه بنجاح وأشعلته، ثم غسلت يديّ مرات للتخلص من رائحة الكاز القوية. بدأت أطبخ واناافكر بكل أولئك الشباب الذين نجحت الحرب ببعثرتهم في كل الأصقاع. من نجا منهم وعبر البحر سالماً، سيبدأ معركته في الغربة بعيداً عن أهله، ومن بقي مجبراً، فإما أن تنطفئ روحه و يصبح كجاد، وإما أن يصبح عبداً لمتطلبات حياته اليومية، بأحلام بحجم ربطة خبز أو على شكل رسالة غبية من موزّع قوارير الغاز. 

أغلقت غطاء الطنجرة، وتوجهتُ إلى الغرفة. من الخزانة، أخرجت صندوق الصور الخشبي. ثمانية وعشرون صورة، بمعدّل صورة واحدة لكل عام تجمعني بتلاميذي، وخاتم الأمنيات. حملته بيدي وبحثت عن صفّ جاد، ووجدته. تنفست عميقا وأنا أستحضر وجوه أولادي وزوجي علّها تمنحني القوة، لكن عبثاً. هرعتُ إلى النافذة وفتحتها على مصراعيها. هناك أمام المدى الممتد، تأملت الخاتم الأرجواني الصغير ذو الخرزة الزرقاء، وقررت أن أرميه بعيداً، لكني فجأة تذكرت كلمة جاد، “لم أفعلها، لم أقتل، الخاتم منعني …”. اذن كان لهذا الخاتم فائدة ما. ربما أنا من أحتاجه الآن. لكن، اين هي أمنياتي وكيف انسلت هاربة من دون أن أنتبه لها. كيف أجدها الآن وسط هذا الخراب؟ الكبار يفقدون شغف التمني، وأنا مثل جاد، ترمّدت أصابعي من الخيبات وعدّ الأيام. 

وضعت الخاتم في إصبعي الصغيرة. لديّ أمنية واحدة: أن أعود طفلة لها أمنيات. 

28_6_2022م

اترك تعليق