المخدرات في درعا..سوق للتصريف، أم طريق عبور؟


فريق صدى الجنوب
……
على مرأى من عيون السلطة انتشرت تجارة المخدرات في درعا وأصبحت ظاهرة تعصف بجسد المجتمع، منافية للعرف الديني والاجتماعي والأخلاقي الذي تربى عليه أبناء المنطقة، فتبعات الحرب على مر السنوات العجاف فرضت تداعيات أشد فتكا من الحرب ذاتها، وشكلت خطورة غير مسبوقة على مستقبل جيل الشباب بأكمله، فمن لم تطحنه الآلة العسكرية ضاع في غياهب المخدرات.
ومع أن ظاهرة المخدرات بدأت تظهر في درعا نهاية العام 2013 وبداية العام 2014، إلا أن انتشارها زاد نشاطا بعد سيطرة القوات التابعة للحكومة السورية عام 2018، حيث أُغرقت المحافظة بالمخدرات والحشيش وأصبحت سوقا حقيقيا لمعامل “حزب الله” اللبناني المدعوم إيرانيا، بحسب ما ذكرت تقارير حقوقية وتحقيقات صحفية.
* فوضى مدروسة
المخدرات أداة تضعف المجتمع وتفككه وبالتالي يسهل انهياره وتدميره، وأدى انتشارها لارتفاع مستوى الجريمة وفقدان الطاقات الشابة التي يتوقف عليها إعادة بناء المجتمع وتطوره.
حيث يشير سجلّ المحاكم في محافظة درعا خلال عامي 2019- 2020، وحسب مصدر من داخلها، أن كل 100 واقعة طلاق سجلتها الدّوائر المتخصصة بينها 40 سببها تعاطي المخدرات، وأن 90% من جرائم السرقة التي تعاملت معها مراكز الشرطة تعود لمدمنين أو متعاطين، بينما سجّلت أربع جرائم قتل تحت تأثير المخدرات.
ويوضح تحقيق أجراه “تجمع أحرار حوران” أنه “ومن خلال تتبّع مصادر الترويج للكبتاجون في المنطقة وأماكن تصنيعه أن التعاطي للكبتاجون بدأ بالتوسع بعد العام 2018 مع زيادة النفوذ الإيراني والميليشيات التابعة لحزب الله على المنطقة لأسباب تتمثل بتوافر الكبتاجون في الأسواق وغياب المساءلة القانونية، بالإضافة لمشاعر اليأس والإحباط التي سيطرت على السكان بعد التسويات، الخوف من الملاحقات الأمنية التي تطال المدنيين، وغياب فرص العمل وتراجع المستوى الاقتصادي في المنطقة، إضافة لضعف التعليم وغيابه عن بعض المناطق.
ونقل التحقيق عن الدكتور “نواف الصفدي”، رئيس منظمة سورية الديمقراطية 33 في فرنسا، والحاصل على الدكتوراه في الصيدلة وعلم السموم، قوله إن انتشار حبوب الكبتاجون ومواد مخدّرة أخرى يستهدف الفئة الشابة في محافظة درعا وفق خطة ممنهجة لإخضاعها وتحويل شبانها إلى مدمنين، وذلك للاستفادة منهم وزجّهم في صفوف القتال ضد مناطق الفصائل المعارضة في الشمال السوري، كذلك تمثّل هذه التجارة تمويلاً للميليشيات بعد العقوبات الاقتصادية وحاجة القوى العسكرية المسيطرة لمصادر تمويل جديدة تمثل تجارة المخدرات و تهريب الآثار أحد أهم أركانها.
* الهروب من الواقع
أكدت مصادر محلية أن جرحى الحرب اضطروا في البداية لأخذ المواد المخدرة لتخفيف آلامهم كحبوب “الترامادول” لكن ذلك تحول إلى إدمان، ومن بعده وجدوا المخدرات المنتشرة في كل مكان وسيلة تلبي الحاجة الدخيلة التي فرضها ضعف الواقع الصحي. وبموازاة ذلك أقبل الشبان على هذه المخدرات هربا من الواقع السيئ الذي يعيشونه من انعدام للأمان والبطالة وضياع فرص العمل والفقر المدقع والكثير من المشاكل الاجتماعية و النفسية
* بيع على قارعة الطريق
تحولت الظاهرة من البيع السري إلى العلني، فالمروجون تراهم في كل مكان، في المحال التجارية وفي الطرقات وحتى الجامعات والمدارس، وأصبح الحصول على الحبوب المخدرة مثل الكبتاغون و الزولام و غيرها يسيرا دون أي صعوبات وعوائق.
وقال تحقيق لصحيفة “عنب بلدي”: “في الجنوب السوري، الذي يسمى حوران امتدادًا من القنيطرة غربًا وحتى السويداء شرقًا مرورًا بدرعا، يمكن ملاحظة مستوى فوق اعتيادي من عدد المتعاطين، ولعله حديث الشارع، وشغل الناس الشاغل، إلا أن ما يصعب الحصول على معلومات عنه، هو تلك الشبكات المسؤولة عن ترويج المخدرات وبيعها، إذ تقود شهادات التحقيق، وغيرها من المصادر، إلى أن الجماعات المقاتلة التي تقاتل إلى جانب القوات الحكومية والمدعومة من إيران و(حزب الله)، تتحكم بعملية التوزيع في الدّاخل والتهريب نحو الخارج، وتنظم نشاطًا تكامليًا للتصنيع والتوضيب والتهريب، وكذلك إدارة شبكات معقدة من التجار الصغار لتوزيعها داخل سوريا.
وأضاف أن ما “يزيد من خطر مقاربة هذا الملف وجود مجموعات منظمة تستخدم المنطقة كممرّ لشحنات ضخمة يجري تهريبها إلى الأردن لتوزيعها وبيع قسم منها، ثم تهريب كميات أخرى أكبر إلى السعودية، وتعتبر تلك المجموعات أن تصفية كل من يهدد نشاطها شرط لاستمرارها”.
وتابع: “إن جميع الموردين الذين يتعامل معهم على الأراضي اللبنانية مرتبطون بشكل أو بآخر مع حزب الله وقوى محلية لبنانية أخرى ولهم صلات مع مجموعات مسلحة ذات نفوذ عسكري و امني داخل سوريا
* طريق للتهريب
بين الحين والآخر يعلن الجيش الأردني إفشاله لمحاولات متكررة لإدخال المخدرات إلى أراضيه قادمة من سوريا، وفي كل مرة يؤكد ضبطه لكميات كبيرة من الكبتاغون والحبوب المخدرة والتي تعجز عن صناعتها وشحنها وتسويقها كبرى العصابات، وهو ما يوضح حجم الجهات التي تقف وراء هذه الأعمال الهادفة إلى جمع الأموال ورفد الخزائن الفارغة بالعملات الصعبة.
ويؤكد “تجمع أحرار حوران” في تحقيقه على أن “المسار الأول يبدأ من نقطة المصنع، المنفذ السوري اللبناني الرسمي، إذ تقوم مجموعات تابعة لحزب الله بنقل الكبتاجون من بلدة عيتا الفخار في لبنان عبر طرق ترابية بجانب نقطة المصنع وصولاً إلى بلدة جديدة يابوس داخل الأراضي السورية،ليتم نقلها عبر القنيطرة إلى ريف درعا الغربي حتى تل شهاب وخراب الشحم.
بينما يمر المسار الثاني من مدينة القصير في ريف حمص، أكبر قواعد حزب الله في سوريا، ليصل إلى الساحل السوري.
و المسار الثالث يبدأ من سهل البقاع في الجنوب اللبناني، ومنه الى ريف دمشق ،ثم إلى منطقة اللجاة، وصولا الى تل الحارّة في درعا الغربي – نوى – المزيريب – خراب الشحم.
يقول متعاطون وشهود عيان إن التجار يستخدمون سيارات عسكرية ذات دفع رباعي حديثة مع مهمة أمنية تمنحها حرية المرور على الحواجز من دون تفتيش، ويقومون بجولة مرة على الأقل كل أسبوع.
وتشمل جولتهم الوقوف قرب مقرات رئيسية لمجموعات عسكرية في كل قطاع من درعا والقنيطرة، وتبين بالاعتماد على شهادات متعاطين أن تلك المقرات تعتبر مركز توزيع من المستوى المتوسط، بحيث يغطي كل قطاع تاجران أو أكثر.
ورصد التجمع طرقاً أخرى يعمد إليها مروّجون لا يملكون بطاقات أمنية كالدراجات النارية والاعتماد على طرق فرعية يعرفونها كونهم من أبناء المنطقة، كذلك الآليات الزراعية أو مع النساء.
ومع غياب أي دور حكومي مع أن القانون السوري يعتبر الترويج للمخدرات جريمة، على المجتمعات المحلية التصدي لهذه الظاهرة ومحاربتها وعلاج من تورطوا بها، عبر جملة من الخطوات تتمثل في الاستفادة من القوات المحلية لملاحقة المروجين والتجار والعمل على التنسيق لإغلاق الجنوب السوري بأكمله (السويداء – درعا – القنيطرة) في وجههم ليفقدوا الآمل أولا من جعلها طريقا للتهريب باتجاه الأردن، وأن تكون هذه المحافظات سوقا مفتوحة لبضاعتهم القاتلة.
ولابد أيضا من حملات توعية مستمرة من خطر هذه الآفة على المجتمع، و التشديد على الرقابة الأسرية الدقيقة للشبان ومد يد العون لهم من خلال لجان مجتمعية تعمل على احتضان الشبان وتوجيههم ومحاولة تأمين فرص عمل لهم لإعادة دمجهم واخذ دورهم في عملية التنمية و بناء المجتمع.

اترك تعليق