الهجرة السوريّة وسؤال الانتماء

فريق صدى الجنوب
….
من المؤلم أنّ الهجرة باتت الطموح الأكبر لمعظم السوريين، ومن فئة الشباب خاصةً، إذ يندر في محافظة السويداء على سبيل المثال، أن نجد شاباً لا يطمح في الخروج من هذا التيه، الذي تعيّنت أبسط صوره بالظرف المعيشي الخانق المُطبق على أعناق الجميع، فالمقبوليّة العامة لفكرة الهجرة قد دفعت إليها أسباب النزاع ونتائجه المتمثلة في تشظي المجتمع السوري وتهاويه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، أي في هدر البنيّة التحتيّة للكرامة الإنسانيّة عامةً، فوطن الإنسان ليس في النهاية سوى إنسانيته، بمعنى أن الأوطان هي المحصلة النهائية للعلاقات التي ينتجها الأفراد فيما بينهم، فبمقدار ما تضمن هذه العلاقات كرامة الفرد وإنسانيته بمقدار ما يكون انتماؤه للوطن واقعياً.
لا يمكن للهجرة السورية بأي حال من الأحوال إلّا أن تصنّف تحت باب الهجرة القسريّة. فحين يفقد الفرد قدرته على التعيّن في المكان، يفقد المكان أهليته التي تخوله ليكون وطناً، وهذا ما أثبتته السنوات الأخيرة في ظل التهديدات المختلفة والمستمرة التي تلاحق مَن بقي من السوريين في الداخل، لا شكَّ أن الهجرة ستشكّل الحلّ الوحيد للكارثة السوريّة اليوميّة، لكنّ قتامة هذا الحلّ تتمثل أولاً في صعوبة الخروج من سوريا، إذ أن هذا الخروج يكلّف مبالغ طائلة يعجز عن دفعها الكثيرون، ويُضاف إليها من لا يمكنهم الخروج للأسباب الأمنيّة المعروفة. إن الخروج بالمجمل يعتبر مغامرة غير مضمونةٍ النتائج على أرضيّة الصعوبات التي تواجه رحلة اللجوء ووجهتها، ومع هذا فإن هناك اتفاق عام يتلخص في أنّ من يهاجر هو فرصةٌ لإنقاذ من بقي.
سيبدو بعد كل هذا سؤالنا: لماذا تريد السفر؟ سؤالاً بمنتهى الحماقة، خاصةً إذا توجهنا به إلى الشباب، فنحن بالمحصلة سنحظى بالإجابات التي يعرفها الجميع؟ (ماذا ينتظرنا هنا/ كل يومٍ يمرّ أسوأ من سابقه/ قريباً سيموت الجميع من الجوع والناس سوف تأكل بعضها بعضاً)، بالمحصلة إن حالة اليأس العام تتعلّق بإفلاس الواقع عن تقديم حلول على المدى المنظور، ولكن بالنظر في الجانب الآخر لن يحظى بفرصة الخروج من هذا التيه سوى قلّة قليلة، وهذا ما يفرض علينا أن نفكّر جدياً بمن بقي وبالآليات التي يمكن أن تدعم هذا البقاء.
الجميع يدرك أن الحلّ الوحيد للمعضلة السورية يتمثل في الحل السياسي، وهو بطبيعة الحال رهانٌ خاسرٌ إذ أنّ مجمل القوى التي تدير الصراع في سوريا لا تعنيها سوى مكاسبها الخاصة، بالتالي هناك فرصة تبزغ من هذا المأزق، تتمثل في إدراك السوريين لحقيقة أنهم على قاربٍ واحدٍ محفوف باحتمالين لا ثالث لهما، الغرق أو النجاة، كل العوامل السابقة التي ذُكرت تدعم الاحتمال الأول، ولكنها في العمق عوامل تمت صياغتها بعيداً عن السوريين وعن طموحاتهم، لهذا فإن الرهان على النجاة وإنقاذ ما تبقى هو رهان على انتمائنا الذي تعمل كلّ الجهات على تفكيكه وهدمه، فالواقع لم يسقط بعد وهناك الكثير من الإمكانات التي لم تستثمر في هذا الجانب، وهذا يرشح قوى المجتمع الأهلي والمدني، والمثقفين إلى لعب الدور الحاسم في قيادة المركب السوري إلى برّ الأمان.
اللقاء الذي حدث مؤخراً في مدينة السويداء بدعوة من منظمة بلدي تحت عنوان الهوية الوطنيّة والذي جمع النقائض حول طاولة واحدة وضمّ أطياف متعددة، وصف بأنه لقاء فريد من نوعه، فهو قد يكون مؤشراً على إدراكٍ بدأ يتنامى في الأوساط العامة بأهميّة الفاعلين السوريين في تجاوز المأزق السوري، حيث تم افتتاح اللقاء بطرح أسئلة كثيرة من قبل النشطاء المدنيين، “نحن شباب هذا الوطن الراغب في البقاء هنا من حقنا أن نسأل الفرقاء في الوطن: ماذا بعد؟ هل اكتفى الفرقاء من الحرب؟ كيف سيواجهون التطرف والتعصب والطائفية والمناطقية والقبلية وحتى التعصب القومي؟ متى نعلم أن صراع الهويات يجب أن يكون معكوساً في سبيل هوية وطنية جامعة غنية منتصرة للحق والقانون والمواطنة؟ كلها أسئلة برسم المعارضة والموالاة برسم من يقف صامتا ومن يمتلك القدرة ولا يستخدمها”. إن استعادة الشعور بالانتماء ليس لحظة عاطفيّة تشد الفرد إلى الأرض، بل هي جملة العلاقات المتراكبة التي تحدد نوع الوطن الذي من حقنا أن نعيش فيه والصورة التي ننتمي فيها إليه

اترك تعليق