عقد راية الصلح بين السهل والجبل.. نحو مستقبلٍ يستظلّ بعدالة القانون ويمتنّ لحكمة الأعراف


سارة حسن
….
من المعروف في منطقة حوران سهلاً وجبلاً أنّ الأفراد والجماعات يعملون على حل مشكلاتهم من خلال مجموعة من العادات الموروثة، كمرحلة تسبق عملية اللجوء إلى الجهات القضائية الرسمية، حيث يتدخل في حل المشكلات والنزاعات الوجهاء ورجال الدين والشخصيات الاجتماعية البارزة ذوي المكانة الاجتماعية الرفيعة في كلا المجتمعين، وطبعاً بالتأكيد لا يمكن أن تكون هذه العادات والأعراف بديلاً عن القانون، ولكنها سلوك يعكس طبيعة العلاقات المشتركة والثقافة السائدة.
وعقد راية(1) الصلح من الأعراف التي ما زالت قائمة حتى الآن، مهمتها الجمع بين أطراف النزاع، حيث يتدخل الوسطاء المتمثلون برجال الدين والزعماء الشعبيون لحل النزاع الذي يكون إما بسبب القتل المقصود، أو القتل غير المقصود ( كالقتل عن طريق الخطأ أو حوادث السير).
وتبدأ عملية الصلح بين العائلتين أولا عبر الوساطة من قبل وجهاء المنطقة بهدف تهدئة النفوس و عدم الانجرار الى الانتقام و الأخذ بالثأر من القاتل أو من ذويه، بسبب ثورة الغضب او ما يسمى ( فورة الدم) و هنا تنص العادات والتقاليد على وجود فدية أو تعويض( الدية ) تُقدّم من ذوي الجاني لذوي المجني عليه،يتعهد به الوجهاء نيابة عن أهل الجاني، وإذا ما تمّ الاتفاق وأخذ موافقة الطرفين المتنازعين، يُحدَّد موعد لإجراءات الصلح أي لعقد الراية.
و عقد الراية هو تقليد عشائري قديم يستند إلى قوة الالتزام بقيم الجماعة وضرورة التعهد بالحفاظ على السلم الأهلي والوقوف عند هذا التعهد والالتزام مهما كانت التكلفة.
وهي مجموعة إجراءات تقام بحضور جميع الأطراف بالاضافة إلى الوجهاء و الشهود، ذات طابع رمزي، عبر رفع قطعة قماش بيضاء، ليراها الجميع ، ثم تقدم إلى أهل المجني عليه ليقومو بعمل عقدة فيها كناية عن قبول الصلح و حقن الدم. ثم تعقد مراراً وتكراراً من قبل ذوي القربى ( اولياء الدم ) بالتتالي.ثم تقدم إلى شيخ الحمولة من أهل الجاني، ليقوم بدوره بعقدها ثم تأخذ الواسطة الراية البيضاء ويقوم بعقدها كناية على إتمام الصلح والتعهد بتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها، وطي صفحة الماضي. مع الاقرار بضرورة أن ياخذ القانون مجراه وعادة يتم اسقاط الحق الشخصي لتخفيف العقوبة على الجاني بحال القتل الخطأ ( الحق العام ).
/أما في حال القتل العمد فبحسب ما يتم الاتفاق عليه مع الوسطاء. /
ويتخلل مراسيم عقد الراية وجود كفيلين الأول اسمه كفيل وفا، وهو الذي يضمن التعويض المتفق عليه، و الثاني اسمه كفيل دفا وهو الذي يضمن الطرف الآخر بأن لا يقوم برد فعل أو نقض الصلح، وهناك ما يسمى بالتشويم من قبل ذوي المجني عليه، وهذا يعني صفحهم عن الجاني دون مقابل وتسليمهم بالقضاء والقدر، تنتهي المراسم بمصافحة أهل الجاني لأهل المجني عليه ودعوة كافة الحضور إلى الملحة، وهي أكل الخبز والملح وهو إعلان للسلام والأمان بين الطرفين”
….
مما تقدم وفي ظل الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها محافظتي درعا والسويداء بعد 2011 وحتى الآن، بسبب أفراد وجهات مارست الكثير من أعمال القتل والخطف والسرقة من كلا الطرفين، والتي أدت إلى تراجع العلاقات الاجتماعية والمصالح المشتركة، وفي ظل غياب القانون والمحاكمات القضائية العادلة والفلتان الأمني، تظهر حاجة ملحّة إلى هذا العرف، الذي يساهم في حقن الدماء واستبعاد الأخذ بالثأر ممّا يعزز التماسك المجتمعي، فقيمُ عقد راية الصلح تنم عن الصفح والتسامح وحفظ السلم الأهلي وصون الكرامة الاجتماعية والإنسانية.
ولكن أمام واقع كل من درعا والسويداء وحجم الأضرار خلال عشر سنوات مضت، وللوصول إلى عقد راية صلح بين المجتمعين كمرحلة أخيرة من المصالحة، يتوجب عمل موسع يحتوي الموقف كاملاً ويمسك بكافة أطرافه ليشمل جميع الجهات المتضررة، وهذا يحتاج إلى
– أولا: تشكيل لجان الحقيقة :
التي تعمل على تحري الحقائق وتوثيق الانتهاكات و الخسائر البشرية والمادية لكلا الطرفين، من خلال التحقيق ومقابلة ذوي الضحايا وسماع الشهود.
ثانيا: وضع تصور مستقبلي لتنفيذ اتفاق من قبل الطرفين على طريقة جبر الضرر.
-ثالثا: التنسيق مع القوى الفاعلة على الأرض والوجهاء والقادة المجتمعيين الاتفاق على عقد راية الصلح وقيام مصالحات شاملة.
/هذا يشبه إلى حد ما إجراءات العدالة الانتقالية “التي تهدف إلى إعادة الكرامة لضحايا النزاعات، والتي تُفضي إلى مصالحات الهدف منها إعادة بناء البنى المتفككة للعلاقات بين الأفراد والحياة المجتمعية بفعل النزاعات والحروب الأهلية، وتقريب وجهات النظر المختلفة وردم الفجوات بين الأطراف المتخاصمة، واعترافاً مشتركاً بمعاناة الماضي، وتغيير السلوك الهدام إلى علاقة بناءة نحو سلام مستدام”/(2)
…………..
ما تقدم أعلاه على أهميته لا يكفي وحده لعودة الثقة المجتمعية بين محافظتي درعا والسويداء، وتفعيل المصالح المشتركة فيما بينهما، فالشعور بالأمان من العوامل الأساسية التي تزيد الثقة المجتمعية بين الأفراد، كما يلعب دوراً في تسهيل وزيادة فعالية عمل الشراكات والعلاقات والروابط المجتمعية، لذلك يجب أن يسبق ويرافق عملية المصالحة مجموعة من الإجراءات أهمها: وضع آليات تفاعل القيادات السياسية والاجتماعية والروحية والفكرية الأكثر قدرة على التنسيق والتعاون في مجال بناء الثقة ولملمة النسيج الاجتماعي، وتفعيل دور منظمات ونشطاء المجتمع المدني، واستقطاب المثقفين الذي تم تهميشهم طيلة عقودٍ مضت ليأخذوا دورهم في عملية السلم الأهلي، والاتفاق على إعلام محايد يضع ميثاق شرف إعلامي وذلك كخطوة للتأسيس لإعلام مدني يشكل مرجعاً موثوقاً وجامعاً للطرفين، ومن ثمّ التخطيط لإنشاء مشاريع اقتصادية تعاونية مشتركة تربط بين أطراف ومكونات المجتمع في السهل والجبل.
إنّ هذه الخطوات التي يجب أن يقوم بها الفاعلون في المجتمع الأهلي من كلا الطرفين، لا يمكن لها أن تنوب عن دور القانون ومؤسسات الدولة عندما تكون فاعلة، ولكن ضمن معطيات الواقع الراهن ربما تفتح الطريق أمام المحافظتين لبناء علاقات سليمة قائمة على المصلحة المشتركة، ومستندة إلى هوية وطنية تكون امتدادا للهويات الفرعية الخاصة و مكملة لها. و لعل هذا ما سيجعل من الأجيال القادمة تستظلّ بعدالة القانون وتمتن لحكمة الأعراف في آن واحد.
————————-1- راجع بريدجيت شبلر،انتفاضات جبل الدروز- حوران
2-راجع بناء السلام في مجتمعات النزاع،دراسة في التجاوب المحلي واعادة التأهيل المجتمعي، د.عمر جمعة 2019

اترك تعليق