عندما دُفن أهالي المسيفرة إلى جانب ثوار السويداء

معركة المسيفرة
ضباط فرنسيون يشرفون على حفر الخنادق في المسيفرة


لعل حكاية معركة المسيفرة لم تروَ جيداً، ففي المتناقل شفاهاً قد يتسرب الهوى، وكذا لدى كثير من مؤرخي الثورة السورية الكبرى ١٩٢٥.
و الحكاية هنا تخرج من جزئية وتفصيل فارق قد يضيء على مأثرة وبطولة أهالي قرية المسيفرة الحورانية، وخيارهم الوقوف إلى جانب إخوانهم من ثوار الجبل، رغم معرفتهم ثمن هذا الخيار.

والتفصيل هنا، هو أن الجيش الفرنسي لم يكن متمركزاً داخل قرية المسيفرة. أي في بيوتها بل كان قد أنشأ ستة مخافر محصنة حول القرية. أما داخلها فقد اتخذ من الجامع وسط القرية، مقراً لقواته (بالإضافة إلى إسطبلات للخيول)
كانت الكتيبة الفرنسية بقيادة الضابط أندريا، والتي قوامها ألف وخمسمئة جندي وضابط، كانت قد نصبت مخيماً محاطاً بالأسلاك الشائكة على أطراف القرية (1)
كما أن تقريراً للإستخبارات العسكرية الفرنسية آنذاك، قد وصف قرية المسيفرة، (20 كم شرق مدينة درعا) بالقرية الصديقة والموالية للقوات الفرنسية(2)
معتمداً بشكل رئيسي على الإختلاف المذهبي مع ثوار السويداء، وإلى جملة من نزاعات الجوار المتوارثة .(3)

لذلك قرر قائد الحملة الفرنسية الجنرال غاملان، التمركز في المسيفرة. مستفيداً من خطأ الحملة السابقة (حملة ميشو) وانهيارها في المزرعة قبل شهر ونصف (4)، حيث رسم غاملان خط سير الحملة هذه المرة خربة غزالة- المسيفرة- أم ولد- الأصلحة. وهو طريق يحقق له ميزة كون الأرض سهلية مما يقلل احتمال نصب الكمائن ويزيد من فعالية الأسلحة الأوتوماتيكية (الرشاشات).

الماضي ليس مجرد حكاية نرويها لأنفسنا


في نهاية يوم ١٦ أيلول ١٩٢٥. أُعلن التأهب داخل الجيش الفرنسي. حيث نقلت الاستخبارات أنباء عن تجمعات درزية كبيرة.
وعلى المقلب الآخر، كان محمد عز الدين الحلبي قد دعا إلى اجتماع في الثعلة(5) حيث تم اتخاذ قرار الهجوم، وأُرسل إلى سلطان الأطرش الذي كان رأيه أن طبيعة الأرض غير ملائمة. ولكنه كان مضطراً للقبول أمام الحماس الناجم عن اتخاذ القرار. وتمت الاستجابة بتجهيز 12 بيرقاً إضافية (وقد ضمت عدداً من السوريين واللبنانيين اللاجئين إلى الجبل). (6)

ثوار الجبل 1925

كانت خطة الثوار تقتضي تمركز حوالي 600 من المقاتلين داخل بيوت المسيفرة بعد الهجوم الأول مباشرة، وهو ما حدث فعلا بالتنسيق مع أهالي المسيفرة، الذين أخلوا بيوتهم للثوار. وقد تم ترحيل النساء والأطفال إلى مكان آمن. إلا أن قدوم الطيران في الصباح، ثم وصول التعزيزات في المساء حال دون تمكن المهاجمين من الخارج، من الوصول إلى داخل القرية.ولم تنجح محاولات الثوار المتكررة في اقتحام القرية والإلتقاء بالمتمترسين داخلها، والذين قتل غالبيتهم. إذ كانت الخطة تتطلب صمودهم داخل البيوت، بينما القسم الباقي اكثر من 2000 مقاتل يدخلون من الغرب، الأمر الذي لم يحدث بسبب طبيعة الأرض المكشوفة وفعالية الرشاشات الفرنسية الحديثة والصواريخ المضيئة التي تم استخدامها للمرة الاولى.
باستثناء عدد من الثوار استطاعوا ببطولة استثنائية الدخول، ورفع بيارقهم فوق مقر القوات الفرنسية وسط القرية. (مأثرة الأشقاء الأربعة ووالدهم من آل حمزة، الذين قتلوا تباعاً تحت البيرق كانت ساعتذاك). (7)
بيد أن الجيش الفرنسي استطاع القيام بتمشيط القرية بيتاً بيتاً، و جرت معركة رهيبة استمرت 24 ساعة، حُسمت بالسلاح الأبيض بعد التحامات مباشرة. كما يصفها في مذكراته (ج. بينيت دوتي) أحد المقاتلين الأمريكيين في الفرقة الأجنبية. كانت الخسائر كبيرة من الطرفين ( خسائر الفرنسيين بحسب منير الريس بلغت 900_1000 جندي وضابط).

ويقدر الجيش الفرنسي خسائر الثوار ب ( ٥٠٠ من القتلى و ٣٠٠ من الجرحى). (9)
لكن تقريراً للأرشيف العسكري الفرنسي يتحدث باستغراب عن خلو بيوت المسيفرة من النساء والأطفال، يقول: “كانت القرية خالية حتى من المواشي والمؤن رغم أن الجيش الفرنسي كان محيطاً بها”.
وهذا تكتيك اتبعه الثوار بمساعدة أهالي المسيفرة بسرية تامة ودقة متناهية.

منير الريس– الكتاب الذهبي

وهنا يتحدث المقاتل الأمريكي دوتي في مذكراته من دون لبس:
” عن خيانة هذه القرية، التي اعتبرها الفرنسيون خاضعة لهم، وتظاهرت بقبول وجودهم”.
ومن أجل معاقبة هذه القرية وسكانها الذين اعتبروا أسرى. فقد كلفوهم بنقل الجثث إلى خارج القرية بقصد عرضها لتكون بمثابة عبرة” قبل أن يتم حرقها جميعاً.
ويضيف دوتي: “عرفت بعدئذ أنه بعد انتهاء السكان من عملهم تم إعدامهم حتى آخر واحد بأمر من قائد كتيبة الرماة” ومن ثم تم إحراق القرية كاملة.(10)
و نعلم من وجهاء المسيفرة الشهداء الذين أعدموا ذلك اليوم: محمد الزعبي، حمد الموسى، عبد الحليم المصطفى. (11)
…………
لعله لم يكن دقيقاً تماماً وصف المؤرخين معركة المسيفرة بالمعركة الخاسرة للثوار. بالنظر إلى حجم الخسائر الفرنسية الكبيرة، و بالنظر إلى أن المعركة جرت خارج الجبل. وليس من مصلحة الثوار حينذاك البقاء خارج معاقلهم. كما أن قراراً فرنسياً كان قد اتُخذ بالاستمرار بالتقدم، وعدم التراجع إلى مقر القوات الرئيسي في إزرع مهما بلغ الثمن، لاسيما بعد الصفعة المدوية في معركة المزرعة والتي كادت أن تُسقط الحكومة في باريس.

ثورة وطنية


في الحقيقة لم تكن الثورة السورية الكبرى يوماً ” ثورةً درزية تبعها عصيان في دمشق ” كما وصفها الجنرال أندريا.(12) فقد كانت ثورة تلاقٍ وطني بين السوريين رغم صعوبة التنسيق الذي لقيته. وحتى لو لم تبلغ أهدافها.
وهو ما قاله سلطان الاطرش بعد أيام من معركة المزرعة. والذي نشرته كثير من الصحف الأوروبية آنذاك:
” أن الثورة ليست محلية فقط، بل هي ثورة عامة وهكذا يجب أن يُنظر لها ،..هدفها استقلال عموم سوريا ..”(13)
________________
هوامش:

(1)-كامل الحملة الفرنسية كان سبعة الاف ، وصلوا بعد بداية المعركة واستطاعوا فصل الثوار المهاجمين من الغرب عن المقاتلين ال ٦٠٠ المتواجدين داخل البيوت بمساعدة الطيران ) منير الريس- الكتاب الذهبيى
(2)-كانت بعض قرى حوران قد قصفت بشكل انتقامي قبل أسابيع بسبب مساندة الثوار هي الحراك و المليحة وخربة غزالة، كما تم أخذ وجهاء الحراك كرهائن / لانكا بوكوفا- المجابهة الفرنسية – السوريةىفي عهد الانتداب ١٩٢٥-١٩٢٧.
(3)- المصدر السابق.
(4)- معركة المزرعة : 28 تموز – 3آب 1925
(5)-قرية الثعلة غرب السويداء. 12كم .
(6)-من الأسماء التي شاركت في المعركة فؤاد سليم من لبنان و مؤيد العظم من دمشق.
(7)- الأشقاء الأربعة هم: يوسف و مهناو سليم و سليمان، أبناء سلمان حمزة من قرية رساس 7 كم جنوب السويداء.
(8)-ج.بينيت دوتي – كتاب الفرقة الأجنبية
(9)-لانكا بوكوفا- نقلا عن الأرشيف العسكري الفرنسي برقية رقم 139/AELبتاريخ 21 أيلول 1925.
(10)-ج.بينيت دوتي – الفرقة الأجنبية ص 110.
(11)-مذكرات سلطان الأطرش.
(12)- بريدجيت شبلر- انتفاضات جبل حوران ص226.
(13)-جزء من مقابلة سلطان الاطرش مع الصحفي الألماني فون فيتسل بتاريخ 18آب 1925.
________________

اترك تعليق