فيلم اللجاة – للمخرج رياض شيا

فيلم اللجاة- للمخرج رياض شيا

سينما الجنوب السوري
….
زياد السهلي ل صدى الجنوب

ليس القصد من العنوان الذي اتخذته هذه المادة إيحاء القارئ بوفرة مفترضة للإنتاج السينمائي السوري، ولا الإيحاء أيضاً بوجود كمٍّ من الأفلام التي تناولت الجنوب السوري في محافظتي درعا والسويداء، فمن يعود إلى أرشيف مؤسسة الإنتاج السينمائي السوري، سيدرك أنه خلال الأربعين عاماً المنصرمة لم تنتج هذه المؤسسة سوى عددٍ قليل من الأفلام، لم يحظَ الجنوب السوري منها سوى على حصّة هزيلةً بفلمين يتيمين: فيلم (الطحين الأسود) للمخرج غسان شميط و (اللجاة) للمخرج رياض شيّا، وبينما اعتمد الطحين الأسود في مادته السينمائية على لغة واقعيّة تمكنت أن تعبّر عن تحولات السلطة في سوريا ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، اعتمد المخرج رياض شيّا في فيلم اللّجاة على لغةٍ بصرية وشعريةٍ عالية لعب فيها المكان(اللجاة) دور البطولة.

يستعيد الطحين الأسود حقبة من تاريخ سوريا ما بعد الاستقلال، كي يروي قصة اجتماعيّة تهدف إلى البحث في العلاقات الإنسانيّة والتغيّرات التي طرأت على المجتمع الريفي. وحبكة هذا الفيلم ليست مجرّد أحداث نبشتها ذاكرة المؤلف، بل هي انطباعات عن أحداث معيّنة بقيت في المخيّلة، لذلك نُسجت الأحداث الدراميّة لتؤسطر المكان، ما أعطاه خصوصيّة فريدة و اعطى الأحداث ارتباطاً وثيقاً بها.
لقد تمكن المخرج من خلال المكان والأحداث التي تعتمل فيه أن يعطي صورة بانوراميّة وشاملة للريف السوري عموماً،الريف الذي جرى تهميشه في كل سوريا عبر سنوات ما بعد الاستقلال وصولاً إلى الحاضر، ضمن علاقات القوى التي فرضتها مركزية السلطة في المدينة وهيمنتها.
في الجانب الآخر يشكل فيلم اللجاة المأخوذ عن رواية معراج الموت للروائي السوري ممدوح عزّام والذي حصد العديد من الجوائز، سردية مغايرة، فاللجاة هذه الأرض البازلتيّة القاسية قلعة الله كما أسموها الأتراك، والموزّعة مناصفة بين درعا والسويداء، تشكّل مساربها الوعرة مستودعاً لرغبات وأشواق عالقة بين شعابه وكهوفه ، وهذا ما يمنح المكان كثافة تراجيديّة صنعتها شخصيات الفيلم التي تتوق إلى الحبّ والحريّة، فداخل الحوارات المقتضبة للشخوص ترك المخرج المكان يتكلم عبر شعرية الصورة الممتدّة، بين توق الانعتاق نحو الحب والحرية، وبين قسوة الموروث وواقع القهر السياسي الأشبه بقساوة صخور اللجاة.
ذلك ما أتاح ل (شيا) أن يقدّم فيلمه ضمن سياق بصري متعدد الدلالات والإشارات، غلبت على مشاهده الألوان الداكنة فيما شخصيات الفيلم تتشبّث بما راكمه الزمن داخل المكان، الذي أخذ دفة الفيلم وقاده إلى الأسئلة الجمالية المتولدة بوفرة في تداخل العلاقات البصرية وتشعبها.

وعلى الرغم من قدم عهد الفيلمين، إذ يعود تاريخ إنتاج اللجاة إلى عام 1993 والطحين الأسود إلى 2001، إلّا أنهما ما زالا يحملان راهنيّة المقولات التي بنتهما، ذلك أنّ مشاهدة فيلم الطحين الأسود اليوم، يجعلنا ندرك مأزقيّة العلاقات الاجتماعيّة والسياسية التي لم تستطع أن تتجاوز واقعها وبقيت حبيسة مقولة الاستبداد والتسلّط، التي جعلت من الجميع متساوين ، فقط في كونهم لاشيء، حيث يرى المشاهد الآن بوضوح أنّ لا شيء تغيّر عبر العقود الفائتة من تاريخ ما بعد الاستقلال سوى شكل السلطة وشدتها، ممّا جعل الواقع الاجتماعي السوري عامةً، وواقع الجنوب السوري خاصةً، يراوح في مكانه ضمن المشكلات والهموم الاجتماعيّة نفسها، وفي تعاقب مستمر كأنها لعنة كُتبت على هذا المكان.
ربما خيار رياض شيّا الجريء في أن يذهب إلى الصورة بكثافة شعريةٍ عالية، كان خياراً ناجماً عن قراءة ذكيّة للزمن المتوقف والذي مثّلته هذه الصبّة البازلتية الهائلة التي استمدت اسمها من كونها مكاناً للجوء، إنها موطن الهاربين الباحثين عن الأمان، وداخل زمنها المتوقف، شرع المخرج باستنطاق المكان بصرياً، ليستشف المشاهد جدل الأضداد بين القسوة والرقّة، وبين الحب والخوف، و بين الرغبة وانحسارها، إنّ المكان هو شاهد نفسيّ على تناقضات الواقع التي لا يمكن الإجابة عليها إلّا شعرياً وبلغة تبني يوتوبيا خاصة بها في جحيمه، علّها تتمكن من استعادة شيء من المهمل والمهمّش في ظل علاقات إنسانيّة محكومة بوعورة الوجود الذي قاربه فيلم اللجاة بلغةٍ مفتوحة على الممكن والمستحيل.
—————————-
الطحين الأسود:
https://youtu.be/Kk0HMc2g5tY

اخراج وقصة وسيناريو غسان شميط
بطولة: اسعد فضة، عبد الرحمن ابو القاسم، ضحى الدبس ،نضال سيجري
موسيقى :سميح شقير
فيلم روائي من إنتاج المؤسسة العامة للسينما 2001
————–
اللجاة :
https://youtu.be/f_0zlVplun0

إخراج رياض شيا
سيناريو ممدوح عزام- رياض شيا
بطولة: حنان شقير ،ثناء دبسي، فؤاد الراشد، لينا باتع، وليد الدبس، أدهم الهجري، ايمان بلان
إنتاج المؤسسة العامة للسينما 1993

اترك تعليق