قلق المعلومات

 “لا شيء ضخم يدخل في حياة البشرية من دون لعنة”.

الشاعر الإغريقي سوفوكليس المتوفى 405 ق.م.

عشرات و مئات الكتب تنتظر القراءة. قائمة طويلة بالأفلام التي نخطط لمشاهدتها. أفضل مواقع التصميم بالذكاء الصناعي. أشياء كثيرة نود شراءها عبر مواقع التسوق الإلكتروني. خلطات عجائبية علينا تجربتها.. الخ). ننتقل بين مواقع وصفحات عبر سيل من المعلومات غير المرتبطة ببعضها. لكن كل منها يشد انتباهنا بطريقة مختلفة، من دون أن نمتلك القدرة على الحصول عليها. مهما بدا أننا نرغب بذلك. لا تنحصر نتيجة هذا الغرق في عالم الانترنت بانخفاض جودة أداء مهامنا اليومية. وإنما بتنا نفقد قدرتنا على قضاء أوقات جميلة نتمتع بها بهدوء وراحة، أو ننعم بالاستسلام لأحلام اليقظة.

يقول (‘ريتشارد سول وورمان’) مؤسس منصة TED الشهيرة في كتابه قلق المعلومات: “إن هذا المصطلح يعبّر عن التوتر والقلق القادم من الفجوة بين ما نفهمه، وبين ما نشعر بأنه من المفروض أن نفهمه”.

ويضيف بأن لهذا القلق أنواع وأشكال مختلفة منها ما يسمى بـ “الإغراق المعلوماتي”. وهو ما يحدث عندما نتعرض لكم كبير من المعلومات أكبر من قدرتنا على الاستيعاب. 

ولذلك فبقدر ما تبدو المعلومات مهمة ومفيدة، لكنها بالمقابل تتسبب بإجهادنا، وتزيد من عوامل التوتر والضغط النفسي.

عام 2010 كان حجم المعلومات على الإنترنت ما يقارب 2 زيتابايت. أما في 2023 فقد وصل هذا الرقم إلى 120 زيتابايت، ومتوقع أن يصل في 2025 إلى 180.

والزيتا بايت يساوي مليار تيرابايت. وبالتالي لو أردت تجميع هذه البيانات فستحتاج إلى 120 مليار (هارد ديسك) سعة 1 تيرابايت والذي بدوره يساوي ألف غيغا بايت.

قلق العلومات

ولعله من المفارقة الطريفة أنه وقبل زمن بعيد، وقبل أن توجد المطبعة حتى، كان هذا القلق المعلوماتي حاضراً في التاريخ.

يرد في التوراة في على لسان النبي سليمان: “فمن هذا يا ابني تحذر، لعمل كتب كثيرة لا نهاية لها. والدرس الكثير تعب للجسد” سفر الجامعة” آية 12.

وفي روما القديمة يشتكي الفيلسوف الشهير سينيكا من الإغراق المعلوماتي ويقول: ” إن كثرة الكتب تتسبب في تشتيت الإنسان”

أما في التاريخ الإسلامي، يقول المؤرخ‘ الخطيب البغدادي’ في القرن 11: ” والعلم كالبحار المتعذر كيلها. والمعادن التي لا ينقطع نيلها، فاشتغل بالمهم منها”.

غير أن الإغراق المعلوماتي اليوم، بات معمماً على الجميع، على عكس الحال في الماضي، عندما كانت المعرفة محصورة بفئة محددة من النخبة تعاني من كثرة الكتب والمجلدات وأوراق البردى. أما بقية الناس فلم تكن ترى الكتب. والمعرفة بالنسبة لهم مجموعة من المهارات العملية، وعدد من الحكم والمقولات المتداولة والمنقولة شفاها من جيل لآخر. أما اليوم فإن جميع البشر مطالبون بتحصيل تلك المعارف بطريقة أو بأخر. وقد نشعر بالذنب ونلوم أنفسنا لأننا لم نقرأ بعد أهم عشرة كتب في التاريخ. أو نشاهد أهم عشرة أفلام أو نتابع أفضل خمس كورسات في التنمية البشرية. رغم توفرها أمامنا.

النموذج الشجري للمعرفة

رسخت الفلسفة الغربية منذ بدايتها نموذج معين للمعرفة، يسمى (النموذج الشجري) بمعنى المعرفة تشبه الشجرة. تبدأ بالجذور، ومن ثم الساق والفروع والأغصان، ولكي تكون ملماً بالفروع يجب أن ترجع إلى الجذور. أي أن المعرفة مترابطة ويجب تحصيلها بترتيب محدد من الأسفل إلى الأعلى. ومع الثورة الصناعية وتقسيم الوظائف، وظهور الجامعات الحديثة، الذي ترتب عليه تقسيماً واضحاً للتخصصات. أصبحت المعرفة والعلوم الحديثة جميعها تعمل بنظام الأصول والفروع. 

غير أن هذا النظام الهرمي والمترابط شجرياً تغير وظهرت هشاشته اليوم.

الفيلسوفان الفرنسيان (جيل دولوز وفليكس غوتاري) في كتابهما المشترك (ألف هضبة)  يقولان: أنه في عالمنا الحديث هذا علينا أن نتخلى عن نظام الشجرة. وأن كل شخص يمكن أن يبدأ من مكان مختلف، ويتحرك في مسار معرفي مختلف عن الآخر. حسب تجربته الشخصية الخاصة والذاتية، بحيث يمكن ربط أي شيء بأي شيء آخر في أي وقت.

 إذن يدعو دولوز وغاتاري إلى التخلي عن النظام الشجري، وهو نظام قديم ولا يتناسب مع طبيعة المعرفة الحديثة. وبدل أن نفكر في المعرفة على أنها شجرة علينا أن نراها كـ (جذمور).

حتى أن دولوز وغوتاري كتبا في مقدمة كتابهما، أنك لست مضطراً لقراءة هذا الكتاب كاملاً، وإنما قد تقرأ جزءاً أو أجزاء منه، وبالترتيب الذي تريده. 

الجذمور’: يحيل إلى النباتات العشبية التي تمتد أفقياً، ولا تمتلك نقطة بداية أو نهاية وقادرة على التشابك والاتصال ببعضها.

لكن ما العمل؟ كيف يمكن أن نحصل على المعرفة من دون أن نغرق؟

 يُنقل عن الإمام الشافعي قوله: “ليس العلم ما حفظ إنما العلم ما نفع”.

يقترح عدد من الباحثين ومنهم أستاذ التربية الأمريكي سام واينبرغ. للخروج من أزمة الغرق المعلوماتي هذه، أنه علينا اكتساب بعض المهارات التي قد تفيدنا بالتعامل مع هذا الوضع. أول هذه المهارات هي أن لا تبقى المعرفة مجرد ملاحظات ونوادر عشوائية. أن نتعلم كيف نقوم بتشبيك المعلومات ببعضها لتكوين صورة واسعة مهما بدت العلاقة بينها بعيدة. وهو ما يجعل من المعلومات معرفة فعلاً، ولها علاقة بحياتنا.

والمهارة الثانية هي التخلص من هذا الإغراء بالتركيز على الكم. فالمهم حقاً ليس عدد الكتب وعدد الأفلام والكورسات، بل جودة المعلومات وعلاقتها بالمسار المعرفي الخاص بك، والذي بالضرورة يختلف عن مسار الآخرين. وهو ما يأخذنا إلى المهارة الثالثة.

وهي التفكير النقدي: أي أن ندرب عقلنا أن يكون ناقداً لكل ما يسمعه أو يتلقاه. أن يكون لدينا القدرة على التحقق من صحة المعلومات المقدمة  لنا كل يوم. 

المهارة الرابعة التي يقترحها واينبرغ هيي: مهارة التجاهل النقدي. أي أن نتعلم كيف نقوم بفلترة المعلومات التي تصلنا على مدار الساعة، وتجاهل الجزء غير الموثوق منها أو غير المهم. الذي يستنزف وقتنا من دون طائل, ولا نركز في المعلومات التي لا تدخل في نطاق اهتماماتنا الحقيقية، ولا تتداخل مع مسارنا المعرفي الخاص. 

من دون أدنى شك، فإن العالم قد تغير إلى غير رجعة. ونحن اليوم نعيش في عصر جديد لم نعهده على مدى تاريخنا، ونتلقى على هواتفنا النقالة أهم وأكبر المنجزات العلمية. لكننا بشكل أو بآخر أصبحنا مطالبين بل ومجبرين على الحضور الدائم في هذا الواقع الافتراضي، والتعامل اليومي مع العالم الرقمي. الذي تحكمه، وتحكمنا فيه قوانين وخوارزميات لم تعرفها البشرية منذ وجودها.

هناك عبارة ذكية حقاً تقول: “يمنحنا الإنترنت حق الوصول لكل شيء. ولكنه في نفس الوقت يُعطي ذلك الحق، لأي شيءٍ تجاهنا”.

اترك تعليق