وجوه من حوران

#اضاءات
وجوه من حوران
………..
مغامراً بمستقبله السياسي، وبسلامة أبنائه وعائلته، أصرَّ عبد اللطيف المقداد إبن مدينة بصرى، والنائب عن حوران في البرلمان السوري، على تنبيه سلطان الأطرش من صدور مذكرة اعتقال سرية بحقه، عندما تحرك الجيش لمهاجمة السويداء مطلع العام 1954 عقب أحداث الثورة الطلابية التي اندلعت في عدة مدن سورية، بدءاً من حلب ثم حمص وحماه ودمشق ودرعا والسويداء. والتي استمرت ستين يوما، وانتهت باستقالة الشيشكلي من رئاسة الجمهورية في 25 شباط/فبراير 1954.
…..
بداية الأحداث كانت في تموز 1953 عندما قام العقيد أديب الشيشكلي قائد الانقلاب الثالث، بإجراء استفتاء على تعديل دستوري ينص على تحويل نظام الحكم من نظام نيابي إلى نظام رئاسي، ونجم عن الاستفتاء الموافقة على التعديل ونجاح الشيشكلي -المرشح الوحيد للرئاسة- وكان من أبرز المؤيدين للشيشكلي الحزب القومي السوري بالإضافة إلى حزب ( حركة التحرير العربي ) الذي شكله هو.
وفي كانون أول/ ديسمبر 1953 اندلعت الاحتجاجات السورية المنددة بالحكم العسكري والرافضة للانقلاب، والمطالبة بعودة الحياة الدستورية. (1)

وفي رد فعل على توزيع منشورات معادية للحكومة، أمر الشيشكلي الجيش بدخول السويداء، وقام باعتقال عدد كبير من المعارضين والناشطين ومنهم منصور الأطرش إبن سلطان،
الأمر الذي أدى إلى اشتعال المظاهرات في درعا، والتي بدأت في مدينة نوى إحتجاجا ً على دخول الجيش إلى الجبل .
ثم شملت المظاهرات عدة مدن سورية أخرى، نجم عنها دعوة السياسيين إلى عقد مؤتمر في حمص في منزل هاشم الأتاسي لإقرار (ميثاق وطني) فيما بينهم قرر (الدعوة إلى الديمقراطية والحريات العامة، وشجب الحكم الفردي والنظام البوليسي)، ووجهوا إنذارا إلى الشيشكلي لإعادة الحياة الدستورية والإفراج عن المعتقلين السياسيين و خروج الجيش من جبل العرب.(2)
……
خلال تلك الأحداث كان الشيشكلي قد أصدر مذكرة اعتقال سرية بحق سلطان الأطرش وهو ما علم به النائب عبد اللطيف المقداد الذي عاد إلى بصرى وأمر اثنين من الموثوقين بالذهاب إلى القريا وتحذير سلطان.(3)

ويتحدث الصحفي صهيب المقداد نقلا عن نجل عبد اللطيف المقداد تفاصيل ذلك اليوم :
“روى لي المرحوم فاروق المقداد “أبو الحكم” وهو نجل نائب حوران عبد اللطيف المقداد “أبو فاروق” وهو إحدى الشخصيات الوطنية المؤثرة في تاريخ سوريا عموما وحوران خصوصاً، ويعرفه أبناء الجبل جيدا.. أنه وفي عام 1954 وخلال أحداث الحراك الطّلابي في عهد أديب الشيشكلي جرى أن تم اعتقال عدد كبير من الطلاب وبينهم منصور الأطرش، وكان موقف سلطان باشا الأطرش مشرّفاً لجهة دعم الحراك، فكان أن اتخذ الشيشكلي قراراً سرّيّاً باعتقال سلطان باشا.

يقول فاروق، رحمه الله، إن والده علم بالمسألة وكان لا يمكن لأحد التوجه أو الاتصال بسلطان الأطرش، وقرر “أبو فاروق” أن يفشل الخطة مهما كان الثمن إخلاصا وحبا لسلطان والجبل وتقديماً لأولوية الجيرة والكرامة على السياسة والحكم (4)

ويروي: “كنت صبيّاً وقتها لكننّي شهدت التفاصيل، حيث جهّز والدي اثنين من خيرة الشباب في بصرى الشام وطلب منهم أن يسريا وأن لا يطلع عليهم الصباح إلا وقد سلما سلطان الأطرش رسالة سرية بتفاصيل عملية مخابراتية عسكرية لاقتحام بلدة القريّا بجبل العرب لاعتقال الباشا، وقام الشابان بالمهمّة، وخرج على إثرها سلطان الأطرش إلى الأردن، لتفشل عملية الشيشكلي.” (5)

لقد جعل عبد اللطيف المقداد أمن وسلامة وكرامة سلطان الأطرش أولوية على أمنه ومستقبله السياسي، وهي صورة تكررت سابقاً عندما فضّل شيوخ حوران- في العشرينات- ترك بيوتهم والفرار لفترة إلى الأردن على المشاركة بحملة لاقتحام جبل العرب وكسر شوكته.
ويضيف فاروق المقداد :
“أذكر أن عزاء شيوخ بصرى الشام كان لا يقام إلا إذا كان عدد “اللفّات البيضاء” على الرؤوس والتي ترمز لشيوخ وأجاويد الجبل أكثر من عدد “العُقُلِ والقضاضات” والتي ترمز لشيوخ بصرى وسهل حوران، وحصل هذا في مأتم عبد اللطيف المقداد نفسه”
……
ولد الشيخ أبو فاروق في مدينة بصرى الشام التابعة لمحافظة درعا، والده الشيخ مصطفى محمد خليل الشوخ المقداد أحد زعماء حوران في عهد الثورة السورية على الإستعمار الفرنسي، وأعمامه منصور محمد خليل الشوخ المقداد عين من قبل إبن ملك العرب فيصل ابن الحسين أثناء الحكم العربي لسورية قائم مقام بصرى الشام و سعد الدين محمد خليل الشوخ المقداد كان مندوبا لحوران في مجلس المبعوثان في تركيا ممثلا عن حوران في ذلك الوقت.

وقع على البيك الاختيار من قبل أهله وسكان منطقته لما عُلم منه من خصال وتحمل المسؤولية والمناقب العديدة، فترشح وكان الفوز من نصيبه ليمثل حوران إلى جانب: الشيخ محمد خير الحريري والشيخ محمد يوسف أبو رومية.
وكان نائبًا في حكومة ناظم القدسي
توفي عبد اللطيف عام 1973 وكان سلطان الأطرش قد ألقى كلمة جبل حوران في حفل التأبين(6)
___________________________
مراجع:
1_ غوردن تورري (1964). Syrian Politics and the Military, 1945-1958 السياسة والجيش السوريان . ص 232.
2- كان المؤتمر برئاسة سلطان لكنه لم يستطع الحضور لأسباب أمنية وناب عنه يوسف العيسمي.
3- مقابلة خاصة مع الصحفي علي عيد بتاريخ تشرين أول 2021
4_ صهيب المقداد، تراجم وسير ص5
5_ المصدر السابق
6_ المصدر السابق
__________________________
#سهل_وجبل

اترك تعليق