يمّا البلد…

قصة قصيرة

شذى خليل

*من بينِ جميعِ المشاعرِ الوضيعة، الخوف هو الأبغض.

شكسبير

الحربُ لعينةٌ، ككلّ الأشياءِ التي تضعُ دمكَ ومالك، شرفكَ وأحاسيسكَ في بنكٍ يحمل اسمها.

تتلاعبُ بك؛ تلاعبَ الخبراءِ بالبورصةِ العالميّة، يصيرُ حينها كلُّ شيءٍ مقروناً بتلكَ التّسميات الفاضحة؛ الأغنياء أو الفقراء.. لا شيءَ بينهما؛ سوى دماركَ الشخصيّ وهيبتكَ الخفيفة.

كثيراً ما أجدُني واقفاً على الجسرِ العتيقِ في حارةٍ ضيقة لا تحتاجُ جسوراً بقدرِ حاجتها للشوارعِ الفرعية. وسطَ بلدٍ لا يؤمنُ بها ولا تعنيهِ سوى الشّوارعُ الرئيسيةِ بابتذالِها اللحظيّ وفتنتها السّاخرة. أفكرُ بمنطقٍ لا مكانَ له وسطَ عالمٍ ينزّ من فمه؛ الجهلَ.

 وجودُ الجسرِ حقيقةٌ شاذةٌ، فهوَ لم يكن عظيماً. لم يكن مهماً أو أننا في حاجةٍ ملحةٍ لوجوده. أغلبُ الظنِ أن من بناهُ إنما أرادَ إطلاقَ ضحكةٍ عاليةٍ في وجهِ العمارةِ الحديثةِ التي بدأت تنفي عنّا ذاكرتَنا الثّقافية، وتقصُّ موروثاتنا الدّيموغرافية، وتلكَ التي ارتبطت بعادةٍ قديمة تتالت الأجيال وهي تحملُها على متنِ قلبِها كرايةِ قوةٍ وليسَ راية استسلام.

اسمهُ جسر (يمّا البلد) ويمّا البلد في الواقعِ لم يعد بلداً مُذ زارتنا الحربُ على قدمٍ وجثة، وعلى ذلك الجسرِ تحديداً قُنص الكثيرُ من شبانِ وشابات الحيّ القديم في حمصَ الحزينة.

شبابٌ وشاباتٌ تحدّوا أنفسَهم في مواجهةِ لؤمَ رصاصةٍ عابرةٍ للصَمت، تُكشرُ أنيابَها عبرَ ريحٍ ملسَاء. ثم تقبضُ على العنقِ أو الجبهةِ بطريقةٍ استفزازيةٍ فهي تقبّل مكاناً تحبهُ كي تسلبَهُ. إمعاناً في توطيدِ علاقتِها الشّاذة مع وطنٍ يشبهُها. وها هم أولئكَ المُزينون بشبابِهم، يلبسُون ضَجيجهم الدَّاخلي، يُطلقون عبرَ أكثرِ من إيماءةٍ ما يغلي في ماءِ حواسِهم الخمس، يبتلعونَ أسيدَ الفقر والجوعِ ويحترقون وَهم على أهبةِ الطيران نحو حافةِ الموت، لا يموتون تماماً. لا يعيشون تماماً. مُعلقون كامرأة مطلقةٍ بينَ المطرقةِ والسّندان.

****

في كلِّ مرةٍ أعبرهُ، تلوذ جثثهم بجلدي، ممتلئٌ بهم إلى الحدّ الذي جَعلني لا أحتملُ فكرة الانفجارِ والتّخلي عن ذكرياتِهم، لكنني بطريقةٍ تلقائيةٍ، أقفُ على الجسرِ بمنتهى الهدوء، تاركاً لأنفاسِهم الخفيفة؛ القدرةَ على الحياةِ من جديد، أن تحيا مجازياً.

كانت أمي ـ دوناً عن الجميعِ ـ تتكفلُ بإعادةِ ترميمِ جلدي، وهي بطريقةٍ سحريّةٍ تفهمُ ما يُحشر داخلَ مساماتي، وتدركُ بفطنةِ الأمومةِ أن ابنها الوحيد، يحملُ في ذاكرتهِ الصدئةِ أكثرَ من جسدهِ وأكثرَ من جثتهِ. هي أيضاً تفهمُ أن قلبي الذي يركضُ نحوها مثلَ طفلٍ صغيرٍ؛ يتفتتُ خوفاً عليها من كائنٍ لبسني منذُ تلكَ الحربِ اللعينة. كائنٌ لهُ شكلٌ متغيرٌ. يغيرُ جميعَ وجوههِ إلى وجوهِ الضحايا. وفي كلّ وجهٍ أبنيهِ أعلى وجهي، كانت أمي تَفلتُ من ذراعيّ رويداً.. رويداً.

“هل أنا خائفٌ؟ ” أتساءلُ..

أعترفُ لنفسي: أنا هشٌّ مثلهم.

أراقبُ بخوفٍ شديد، كيف يُرمى الوطنُ بالحجارةِ. حجارةٌ من كلّ مكانٍ، من المُدنسين أرضنا، من السّاكنينَ قلوبنا، من جيرانِنا، من الفاسدِين والطّغاة.

” لا نملكُ حتى أنفسَنا ” أقول لنفسي فيما تتشبثُ قدماي بأرضِ الجِسر، ليسَ أني في حاجةٍ ملحةٍ للانتحار قنصاً هنا، لكن قوةَ المغناطيسِ في خذلاني الحديديّ، تشدُني نحو الصّدأ في كلّ زاويةٍ منه، أتشبثُ بالخيوطِ المتماسكة على جانبيهِ، تشبّثَ الطفل الخائفِ بذراع والدهِ، أبكي..

وكما تطيرُ الخدوشُ عبرَ الطُرقِ المخفية داخلنا، يطيرّ شيءٌ مني.

أتحسس خديّ، لا ينزُّ من عينيّ سوى ملحٌ صخريّ يومضُ كاللونِ في حامضِ المسافات.

” ليس قنصاً، هذا المَوت ” يقولُ فمي؛ ولا يمكنُ لي أن أمررَ أصابعي حولهُ. سقطَت ذراعي فالتقطها! ألم يكن محمود درويش على ثقةٍ بأننا مُجرد مُتساقطين وأن البقيةَ قادرةٌ على التقاطنا كي يكتملَ الوطن أو كي يصيرَ ناصعاً كمفردةٍ واضحة في درسِ اللغةِ العربية؟

لكن لا أحد التقطَ ذراعي، ولم يكن قنصاً ذلكَ الموت.

تذوبُ أجزائي في كلّ مكانٍ، أسمعُ ضحكاتَ القناصِ الذي حققَ هدفاً في تفجيري والجِسرَ معاً عوضاً عن تمريرِ رصاصةٍ واحدة عبرَ جبهتي. بلى أسمعُ صدى ضحكاتهِ يسيلُ من أذني اللتينِ قبعَتا في مكانٍ ما لا يمكن لي رؤيته.

أفارقُ الحياة مُتساقطاً ومُتفجراً ومنفياً كأمٍ سلبوها جميعَ أبنائِها، وبطريقةٍ فظةٍ قتلوهُم أمام عينيها.

كلّ شيءٍ تلاشى، الجسرَ وجثثَهم وأنا..

****

أراقبُ بعينينِ جديدتين ما يحدثُ هناك في بقعةِ (يمّا البلد) وأصرخُ بفمٍ جديد.. يمّا.. أين أنتِ؟

قلبي على صخرةٍ ملوثٌ بالتّرابِ، ينبضُ ولا يتوقفُ، وقدمين تركضانِ بحثاً عني.

قدمانِ أعرفُ لمن هما، لطالما تسلقتُ تلك القدمينِ وأنا طفلٌ صغيرٌ، ولطالما تشبثتُ فيهما وأنا خائفٌ ولطالما تحرشتُ فيهما كلما انتابني جوعٌ كبير.

قدمانِ تصلانِ وذراعانِ تتلقفَان القلبَ الذي ما يزال ينبضُ، تقرّبُ أمي ذلكَ المطليّ بدماءٍ؛ نصفُها منها، ونصفها الآخرُ منها، تشمُه، تقبّله، تدنيهِ من وجهِها.

أراقبُ المشهدَ الذي يمرّ بسرعةٍ أمامي، تنمو دموعُها على خديّ الجديدين، تأخذني أجنحةُ ولدت للتوِ على ظهري، تَحملني بعيداً.

” حانَ الوقت ” يقولُ أحدُ الخارجينَ من جلدي.

يتوقفُ قلبي عن النّبض وهو ما يزالُ بين يديّ أمي.

أحملُ صُراخَها كسجادةِ صلاةٍ وأمضي.

يمّا البلد.. صارَ منسياً كأمٍ حملَت قلبَ ابنها المقتول. وكأمٍ منكوبةٍ، يتساقطُ الوطنُ تباعاً.

” يا تُرى.. كم هن كثيرات؟ “

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك تعليق