
تحضر العبارة كل الوقت وأنا أروي عن حسام، كما رسمته الحياة على أجمل هيئاتها؛ بنسختها الشعبية، واحداً من السائرين رفقةَ قناعاتهم، في الحرّ أو البرد، في الضيق أو الفرج، وإن لم يأت أيُّ فرج. يكدحون ولا يملّون، تعبس الحياة في وجوههم فيضحكون، يمرضون ولا يشتكون. وحين تروح إلى أحدهم قاصداً مواساته، يلاقيك كأنها عائلتك تلاقيك بكل حبّها، وتخرج من عنده مقترضاً السند لا قارضه..
حسام العبد الله كينونة سلام، مهندس كهرباء، ومهندسٌ لذاكرة الشعر الشعبيّ في المقرن القبليّ، ومهندسٌ لنظافة كفه ونور عقله.

أواخر ثمانينات القرن الماضي تعارفنا في مغتربنا الدراسيّ في بلد كان اسمه الاتحاد السوفييتي. كنا نعود صيفاً إلى أهلنا وحسام لا يعود. لو عاد لأخذوه إلى التحقيق في أفكاره اليسارية (الهدّامة) ثم في أحسن الأحوال إلى العسكرية، وفي جميع الأحوال كانت دراسته الجامعية في هندسة الكهرباء سوف تنقطع، ولن يجازف بحلم التعليم كفّارةً عن الشوق للأهل والبلاد.
في الصيف زرت بيت أهله، المستأجر في مخيم اليرموك. والده موظفٌ بسيط، ووالدته ربة منزل، وله أخواتٌ أربع وأخ. لا أعتقد سورياً يجهل كيف تآوى القادمون من الأرياف والمدن الصغيرة للعمل في دمشق، والسكن على أطرافها في بيوت تسمى مجازاً بيوتاً لضيقها وضعف إنارتها. لم يبدُ بيتهم بائساً، فقد رمّم الحب كل عيبٍ فيه، وأنارته ضحكات البنات، وملأتْ شيطنات الأخ الصغير كل أثاثٍ شاغرٍ في الزوايا. سألتني البنات: تشربي متة؟ ولأكثر من سبب، لم أملك إلا أن أقول نعم!
وشربُ المتة يستوجب جلسة طويلة وهادئة، ربما يضيق وقتي يومها عنها. إلا أن شعوراً شدني للجلوس معهنّ لأطول وقتٍ ممكن، ولم تعد أشغالي خارجه تعنيني حيال دفء هذا المقام. ثم إني قد جئت إليهم أحمل هدايا من حسام، كبيرهم الغائب، وربما أردن استدراجي بخديعة جلسة المتة لأطيل مكوثي، كأنّ حسام هو الحاضر بينهن عبر رفاقه، يفرغن الشوق إليه، ويسمعن ما أمكنهن من أخباره، ومع الكلام، تطير الخيالات شوقاً إلى الأخ البعيد، ويفلتن أطيارها للسباق في متعة السفر.
يسارُ الأب سيّر حياته وحياة عائلته، وربّى أولاده على قناعاته، فكان حسام من أميز الطلاب في جامعته، وكذلك أخوته درسوا ونجحوا، وأصبح في البيت ثلاثة مهندسين، جميعهم يتقنون فنّ الابتسام وفن الكفاح والنجاح أو الخيبة، وفن النهوض بعد كل خيبة.
لم يتعدّ وضعُ حسام ولا أهله الكفاف، كان في وظيفته على المحك، ولم يقطع خيط النزاهة الرفيع في بلدٍ يسيّره الفساد منذ عقود، لم يركل مبادئه رغم عسر الأيام واشتداد الحاجة لاسيما خلال سنوات الانفلات الأخيرة، فتربيته وقناعاته ليست موضع نقاش أو مساومة. هي النزاهة باختصار، السّمة التي رافقت حسام سبعاً وخمسين سنة، هي مجموع سنوات عمره. قصيراً كان هذا العمر، وكثيف الأثر.

أخذته الحياة إلى قريته الأم (حوط) ليصير مزارعاً ومربّي طيورٍ في أرضه الصغيرة الموروثة، إلى جانب وظيفته وقراءاته التي لم يتوقف عنها، كما عن ولعه بدواوين الشعر الشعبيّ، ولملمة بعضها لتحيا آمنةً بين دفتيّ كتاب، ومعها كان ينضح حبه واحترامه لزوجته وأولاده وجيرانه وأصدقائه وبلده، وكأنما الحب والتربية والقناعات تورّث مثلما الأطيان والممتلكات.
لا أظنّني قلت هنا شيئاً غير عاديّ، لكنه في فمي أزكى من سير المشاهير، المتنفذين الكبار والصغار، أو مؤلفي الكتب وراسمي اللوحات ورماة الأهداف وسط شباك كرة القدم.. لطالما لم يُنصف هؤلاء الثابتون، القابضون على أخلاقهم، الواقعيون الطموحون المكافحون، هؤلاء ملح الأرض، وليس سواهم من يصنع التاريخ، وقد يؤاتي الحظُّ أحدهم، فيذكر اسمه في حاشية كتابٍ ما، والأغلب أن أسماءهم لن تُدوّن فيه يوماً..
ومثل حسام، كان من أصدقائي الذين قضوا في غيابي، توفّاهم القهر، حسام القضماني، عاطف ملّاك، ممدوح هلال.. كانوا أكثر اللائقين بحياةٍ كريمةٍ ومديدة، ألتحف بصورهم شالاً يدفّئ من طعنات البرد في أرضنا، المعشوقة والظالمة، في حلمنا بالعودة يوماً إليها ويلاقوننا ضاحكين..