الجسد لغة: هو جسم الإنسان، ولا يقال لغيره من الأجسام المتغذية، ولا يقال لغير الإنسان من خلق الأرض. ما يعني أنّ الجسد هو هوية الذات الإنسانية، وهو الفضاء المكاني الذي يعبّر الفرد الإنساني ذكر وأنثى عن ذاته/ها من خلاله. وهو لغة الإنسان الأولى وحامل رموزها وشفراتها ودوالها. وبوابة الإنسان نحو العالم، وحامل تاريخ النوع. لكن الجسد لم يسلم من صراع الهويات، ولم يكن فضاء للتعبير الحر عن الهوية الفردية عبر معطياته الأولية فقط. إنما كان على الدوام مسرحاً للتعبيرعن هوية اجتماعية تتعدى صفاته الفردية، وتوظف تلك الصفات في سبيل إنتاج هوية أخرى مختلفة عن هويته الذاتية في معظم الأحيان. وعلى هذا الجسد المركب من الفردي والاجتماعي الثقافي، تركت السلطات القهرية بجميع أشكالها تواقيعها وإمضاءاتها على مر التاريخ، وقد كان للجسد الأنثوي النصيب الأكبر من تلك التواقيع والأختام، وما زال كثير منها باق حتى اليوم.
فقد أمعنت تلك السلطات في عمليات القمع والكبت والتعذيب، والحط من شأن هذا الجسد ونفي فرادته، بغية التمكن من السيطرة عليه وتسهيل التحكم به. كونه مساحة للتعبير عن الهوية، وكيان ملموس للإنسان يؤكد ذاته الحرة من خلاله، ويمارس سلطته الفردية عليه، وهي سلطة تصرفه في جسده. و”ما يزال جسد المرأة في كل مكان وثيقة أخلاقية أو دينية ضدها”. وبالرغم مما قدمته الحداثة من إرساء لقيم الحرية في العلاقات الإنسانية، وقيم المواطنة والحقوق في العلاقات الاجتماعية والسياسية على أساس الفردية المتحققة في كل مواطن ومواطنة، وما أنجزته الحركات النسوية عبر نضالها الطويل من خطوات مهمة في سبيل استعادة الجسد الأنثوي لمكانته ككيان وهوية جذرية للفرد، وامتلاك حق التصرف الفردي فيه، لكن ذلك لم يرسخ في الوعي الجمعي والثقافة العامة في القسم الأكبر والأعم من المجتمعات، ومنها المجتمعات العربية.
فبالرغم مما أصابته بعض المجتمعات العربية ومنها المجتمع السوري من حداثة هشة ومترددة ذات طابع تقني واستهلاكي في الغالب، فقد بقيت هذه الحداثة تدور في زمن دائري منغلق، وعاجزة عن إحداث خرق حقيقي في بنية الدولة التسلطية الشمولية والمجتمع البطريركي، وعاجزة عن إعادة إنتاج الثقافة على أسس العقلانية والعلمانية ومنظورها الجديد للكون والإنسان. ولعل تفجر ثورات الشباب العربي تحت شعار الحرية والكرامة كأسمى قيمتين للإنسان، واستخدام الأجساد فيها كلغة إشارية شديدة البلاغة والتعبير، وما آلت إليه تلك الثورات خير مثال على واقع تلك المجتمعات وطابع حداثتها.
لم يكن “الجسد” أفقاً للسؤال في معركة الحداثة العربية مع التقليد منذ بدايتها، إنما بقي في دائرة الظل أو المسكوت عنه، أو “الهامش اليقظ” ليحل محله مطلب تحرير النساء، و”معركة تحرير النساء مازالت معركة مذكّرة في سريرتها، ولم تبدأ معركة المرأة، فالأنثى ما زالت صامتة” كما يقول فتحي المسكيني. الأمر الذي يجعل من النتاج الفكري العربي و”النسوي” منه بشكل خاص يدور في فلك السعي الأيديولوجي نحو المساواة بين الجنسين، ومحو أو تقليص الفروق بين الرجل والمرأة في ميدان الحقوق. ولم يكن “الجسد” وجسد المرأة بشكل خاص، أفقاً من آفاق الحرية في الثورات العربية، رغم حضور المرأة اللافت والجميل في ساحات وميادين الاحتجاج إلى جانب الرجال، بل في صدارة المشهد في كثير من الساحات. الأمر الذي يجعل السؤال عن آفاق الحرية سؤالاً مشروعاً.
لا شك بأنّ كل تقدم في تحصيل الحقوق خطوة إلى الأمام، وكل حضور للمرأة في المجال العام يشكل صرخة في وجه السلطة. وكل تلويح بيد ورفع سبابة تطالب برفع يد السلطة عن أجساد المقهورين والمقهورات وأرواحهم/ن، ستفضي إلى نزع واحد من أختام السلطة ووشومها عن أجساد البشر، وكل استقامة جسد بعد اعتياد على الانحناء تشكل زحزحة لسلطات القهر وميراث الإذعان الصامت. لكن معركة الحداثة والتقليد لا تحسم في المجال السياسي أو الحقوقي فقط، ولا في تعديل بعض الفقرات في دستور الدولة والقانون العام وحسب، على أهمية ذلك. إنما تحسم في الحفر المعرفي في تقاليد المجتمع، وفي المرجعيات العميقة للثقافة السائدة، وفي أعماق الوعي الجمعي والذاكرة الجمعية للبشر.
فالبنى الاجتماعية والنظم الثقافية للمجتمع. هي التي تحدد القيم والمعتقدات والعادات والممارسات التي تعمل على ترويض الجسد، وتحديد تخومه ومجالات تحركه ونشاطه في السلوك اليومي والواقع الحي. وهي التي تعيد تشكيل “صورة الجسد” وإنتاج البناء الاجتماعي والأخلاقي لخصائص الجسد الأنثوي وحركاته، من خلال إضفاء صفة الطبيعي على الاختيارات الاجتماعية المشتقة من ثقافة ذكورية ذات طابع عنفي خشن أو ناعم، أي “بالعنف الرمزي ” حسب بورديو. بحيث تبدو الفوارق الاجتماعية فوارق طبيعية تبررها بيولوجيا الجسد والتقسيم الطبيعي للعمل، وتترسخ في وعي المرأة ولا وعيها مع الزمن. وهو ما يجعل المرأة تتقمص صورة جسدها من البنية الثقافية والذاكرة الجمعية العميقة. وليس من جسدها الفردي النابض بالحياة، والذي يشكل ذاتها الحقيقية وأناها وهويتها.
سيبقى مفهوم “الجسد” مفهوماً إشكالياً وملتبساً لأنه جسد الإنسان، ولأن الإنسان كائن إشكالي في الأصل، ولأنه مركز تقاطع جميع علوم النظر والعلوم الإنسانية التطبيقية ومقارباتها وغاياتها في آن. لكن الإنسان سيبقى كائن يشعر بالكرامة، ويطلب الحرية ويستحقها. ولن يستعيد الإنسان ذاته المهدورة إلا في مناخ الحرية، ولا تتحقق حريته إلا في استعادة الجسد المغيب، ولن يصبح جسد الإنسان هو ذاته وهويته إلا بنزع جميع أختام السلطة عنه، واستعادته لحق “ملكيته” والتصرف فيه، وسيبقى الجسد الأنثوي في مجتمعاتنا حداً على حرية الإنسان وأفقها في آن معاً.
اقرأ أيضاً قراءة في رواية”لا ماء يرويها” للكاتبة والطبيبة نجاة عبد الصمد