
قراءة في دولة
الأمير فخر الدين المعني الثاني
…
عاطف عامر
عندما قطع كرومويل* رأس الملك تشارلز الأول عام 1649 في انكلترا، خيَّم الذعر على الشعب الانجليزي، فما زالت عقيدة أن الملك من سلالة إلهية وأنه يحكم بتأييد من الله مُحتلَّةً للروح العام للناس.. كرومويل الذي أسس لحكم برلماني كبديل للملكية، وقام بإنهاء الحرب الأهلية، وشجَّع – وبالرغم من عَلمانيته – البروتستانت كمذهب ديني هو على الضد من احتكار الكنيسة الكاثوليكية للدين، أي فتح باب الإصلاح الديني كمدخل لتصفية حكم الكنيسة..
كانت الروح الإنكليزية مذعورة من عقاب إلهي قادم سيطالها بسبب صمتها على إعدام الملك، بينما العقل الحاكم للتاريخ عبَّر عن نفسه بلسان جون ميلتون الشاعر العظيم صديق كرومويل وغاليليو بقوله ” أن أخير الأعمال هي قطع رؤوس الملوك “.. هذا العقل العظيم كان ملغوماً بالروح المتأخر عنه.. أو بصيغة أخرى، لحظة كرومويل هي لحظة عقل يبني عالماً تتحقق فيه ماهية الروح الإنساني التي هي الحرية وكرامة البشر.. وبصيغة متداولة أن كرومويل قد سبق عصره لكن الناس لم تكن جاهزة بعد لتقف معه ومع نفسها..
بعد وفاة كرومويل لم تجهد الناس للحفاظ على ما أنجزه، الروح المتأخر عن لحظة العقل تلك دفعها لإعادة الملكية وتنصيب ابن المقتول.. كما أنها نبشت قبر كرومويل لتُعلِّق جثته أمام العلن..
في النمو التدريجي للروح الإنساني والذي يُعادي نموه في مواجهة تجارب متقدمة قد تظهر، يتسم فعله بعنف الرد عليها، تدمير الإنجاز.. وما يتبقى من إنجازها هي إثبات أرضية الفكر، أن الفكر وحلم الحرية ليسا مُثل سماوية وتنظيرات، أن القادم من جنسها، وأنها طريق..
لحظات العقل تلك متكررة بكل الأمكنة والأزمنة، لكنها ملغومة بالروح المتأخر عنها، واللائحة طويلة قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً (من أخناتون وتدمير معابده وملاحقة اتباعه، وصولاً لغاندي واغتياله بيد من دافع عنهم).. لكن العقل / الفكرة بعد إثبات أرضيتها بقيت حية وتقلق الوجود، وتعلن أنه واجب التغيير..
عندما رفع السوريون عام 2011 شعار السلمية كسلاح قادر على هدم الاستبداد.. هل كانت الروح السورية نابذة للعنف؟؟؟..
بتقارب زمني مدهش لتجربة كرومويل في أقصى الغرب كان هناك لحظة من لحظات النور ومحاولة بناء عالم جديد يحترم الإنسان في الشرق.. هي التجربة التاريخية الفريدة لفخر الدين المعني الثاني..
دولة فخر الدين المعني الثاني حوالي 1600م، لبنان مع قسم كبير من سوريا وفلسطين .. هي دولة ازدهار ونهوض، تجارة وصناعة وزراعة.. عمران، صحة وتعليم، احترام لتعدد الأديان والمذاهب، تطبيق جدا معقول للقانون، مكافحة الجريمة والعصابات وتحقيق أمن الناس.. نمو بالانتاج تالٍ لركود وتقهقر وانحطاط.. تنظيم إداري..
نقاط مُلفتة للنظر بدولة المَعَني :
1- التجربة السابقة كانت في ظل احتلال من أكثر الاحتلالات قبحاً، ماركس يميز بين استعمار له دور في الاعمار استعمار ليس وجوده مساوٍ لاعدام مستعمراته، بل على العكس هناك إعمار ، وبين الاحتلال العثماني الذي وصفه بأنه دولة نهب، وجود العثمانيين = اعدام وتدمير وتفقير ونهب غير محدود لكل المناطق التي احتلوها.. احتلال هو جراد.. بظل هذا الجراد استطاع فخر الدين بناء دولة نهوض وازدهار..
2- هذه المعادلة لم يكن لتتحقق لولا تقدم ما بالعقل السياسي الذي أدرك أن التحرير مستحيل.. وأن إرضاء هذا المحتل / الجراد هو ضرورة من أجل البناء، التزمت الدولة المَعنية بكل الضرائب المطلوبة منها للباب العالي..
3- هذا البناء لم يكن ليتحقق إلا بانفتاح على حضارة متقدمة في حينها / اسبانيا، إيطاليا وبشكل أقل فرنسا /، انفتاح = قبول الآخر بما أحمل من افكار، لا تكفير ولا إقصاء ولا ما يحزنون.. فخر الدين كان مقبولاً ومقبولاً جداً من الغرب.. (في بعثاته التعليمية كان للموارنة النصيب الأكبر فيها) وهذه براغماتية في مكانها الصحيح، فالغرب الديني يُرحُّب بالمسيحيين .. شجع هؤلاء الطلبة على تعلّم اللغات والعلوم.. والعودة لنشر ما تعلموه بين الناشئة، ولأول مرة في تاريخ المشرق كان هناك مدارس خارج المؤسسة الدينية بعد عودتهم .. وكذلك تأسيس اول مطبعة في الشرق، في طرابلس 1610..
4 – ديانة فخر الدين المعني الثاني مجهولة!!!، في عالم كان غرباً وشرقاً يرى في الدين هوية، أن لا تُعرف ديانة شخص بهذا الحجم أمر يجعل من الغرابة أن تستغرب !!!.. أن يُسقط الدين كهوية وترتفع بالمقابل حرية ممارسة الطقوس والشعائر الدينية،.. إسقاط الدين كهوية هو علمنة مبكرة فقد كانت المناصب السياسية والإدارية والعسكرية من نصيب الأكفأ بغض النظر عن دينه أو مذهبه.. اي ان الدين لم يكن حاضراً ببناء الدولة، ولم يُقصَ عن حياة الناس الفردية والخاصة..
5 – “رفعت دولة فخر الدين المعني الثاني الحيف عن الموارنة” فصاروا جزء من الحياة العامة في السياسة والادارة والجيش.. بعد أن كان هذا ممنوعاً.. وسمح لهم بدق الاجراس وممارسة شعائرهم جهراً، هذه المساواة الحقوقية مع المسلمين وباقي الطوائف هي علامة تاريخية لا يجوز القفز عنها من ناحية بكريتها..
6- هذا العقل المنفتح على الآخر، المتقدم في السياسة هو العقل الذي يبني دول، نهوض ورفعة… وبالتالي حرية وكرامة.
…………………….
*أوليفر كرومويل (بالإنجليزية: Oliver Cromwell) (25 ابريل 1599 – 3 سبتمبر 1658) قائد عسكري وسياسي إنجليزي، اعتبره نقاده أحد القادة الديكتاتوريين، يُعرف بأنه هزم الملكيين في الحرب الأهلية الإنجليزية. جعل إنجلترا جمهورية وقاد كومونويلث إنجلترا. وُلد في 25 أبريل 1599 وتوفي في 3 سبتمبر 1658.