المرأة في الدراما السورية: (انتهاكات ونماذج جاهزة للتنميط)

بخطوات مترددة، تسير الممرضة في طريق الحي وتراقب بعينين حائرتين الأهالي القادمين من كل ناحٍ وصوب، متجمعين بانتظار لحظة إعلان الحكم بالطهارة. تدخل البيت المنشود باحثة بقلبها قبل عينيها عن المتهمة المطلوب الكشف عليها، ليقع نظرها على السكين في يد الأب المتأهّب لغسل العار، تدخل الغرفة المقصودة، لتجد النساء متحلقات حول الفتاة المرتجفة في سريرها، كي تشهدن على عفّتها، ضاربات بعرض الحائط أيّ مفهوم للخصوصية وأيّة مساحة شخصية محتملة،
كانت هذه هي البداية التي ارتأى صناع العمل أنها مثالية لعمل درامي سوري يعرض في عام 2022! يتم تقديمه حاليا على منصة البث “وياك”، عبر منصة تلغرام باسم “شرف” من إخراج مجيد الخطيب وتأليف ديانا جبور وبطولة أمل عرفة بدور الممرضة، 

تأتي هذه البداية لتذكرنا بأنها لم تكن المرّة الأولى التي تكون فيها الصورة النمطية المقدمة للمرأة عامةً، وصورة السكين خاصةً، سيدتَي الموقف!

بل على العكس، باتت هذه العناصر الابن المدلل لأي عمل درامي سوري مهما كانت توجهاته، أو أهدافه. فها نحن أمام المشهد ذاته بقالب حلم يرافق (فاتن – عبير شمس الدين) في مسلسل حاجز الصمت عام 2005 الذي طرح عدة قضايا اجتماعية متطرقاً لمرض الإيدز، من إخراج يوسف رزق وتأليف هاني السعدي، إذ تستيقظ فاتن من نومها يومياً إثر كابوسٍ، ترى فيه أخاها ينحر رقبتها بسكين وسط صراخ الأم وبكائها، لمجرد أنها قررت أن تترك بيت العائلة القابع في البلدة والتوجه إلى المدينة للبحث عن ذاتها، وتشارك صديقتها (ناهد – روعة ياسين) السكن.


 يُظهر العمل كيف تعتمد ناهد على مواعدة الرجال كمصدر رزق لها مدعيةً أنها “مو مضطرة تشتغل وتتّعب حالها” على حد قولها، بينما تقف فاتن مكتوفة الأيدي بسبب رفضها اتباع المنهج نفسه، وتتوالى الأحداث لتنضم لهما صديقتهما الثالثة (سناء – صفاء سلطان) التي تعمل كممرضة، إذ لا تصمد الأخيرة طويلا، قبل اتباع نفس الطريق، بالتزامن مع سكن الثلاثي في بيت لرجل الأعمال الثري (برهان – خالد تاجا) الذي يبدأ رحلة استغلالهنَّ وابتزازهنَّ، بعد تقديمه المنزل لهنَّ.
تغزو هذه الصور وغيرها من الصور النمطية المُستهلَكة للمرأة عالم الدراما، في غياب واضح لإظهار أي صفات طبيعية للأنثى وأي قدرة لها على أن تعيش تجارب إنسانيّة عادية، وإنكار أي قدرة لها على التصرف بشكل سليم من تلقاء نفسها، فتُظهر الأعمال الدرامية أنه لا رادع للأنثى غير تواجد الأهل بقربها، أو تدخلهم بكل ما يخصها، وأنه لا بديل عن وجود رجل هو مصدر حمايتها.
كما نشهد غياباً أكثر وضوحاً لاحترام أي مساحة شخصية بديهية لأي إنسان مهما كان جنسه، فافتح شاشة تلفازك على أي عمل درامي سوري، لتواجهك حتماً على الأقل إحدى هذه الانتهاكات بحق الأنثى، وتكاد تخلو الشاشة الصغيرة من أي ظهور نسوي طبيعي، ومن أي محاولات لطرح درامي حقيقي لتقديم الحلول ولعلاج القضايا الواقعية التي تواجه المرأة بعيداً عن النماذج التجارية المستهلكة التي ترضي شهية المنتجين، وجيوب القائمين على العمل، وتحاكي ذكورية المجتمع الأبوي.

تُختتم القصص الثلاث بنهايات مخيبة، مجسدةً تنميط المرأة في الدراما، لنجد فاتن تقرر العودة إلى بلدتها حاملة سكيناً بيد وكفناً باليد الأخرى، بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ للعبارة، بعد أن تترك رسالة لصديقتها ناهد مفادها “أنها تفضّل الموت على العيش بلا كرامة” وكأنّه لا يمكن للكرامة والاستقلالية أن تجتمعا معاً، منهيةً بذلك العمل، بمشهد يعتبر أكثر استفزازا من كابوسها الذي بدأ به.


ولم تسلم الفتاة التي استقلّت بهدف التعليم أو العمل من القوالب الجاهزة، بل ها هي الدراما السورية تظهرها مرةً بصورة (رولا – ديمة قندلفت) في مسلسل قاع المدينة عام 2009 من إخراج سمير حسين وتأليف محمد العاص، بدور الفتاة القادمة من الأحياء الشعبية الفقيرة التي تتخذ من التلاعب بالشبّان، وسيلة لكسب المال، في محاولة منها للتحلي بالقوة كي تدحر الصورة النقيضة لها المتجسدة في أختها الأرملة المقدمة بقالب نمطي معاكس، على هيئة المرأة الذليلة، المنصاعة لحكم أبيها الذي يسرق أموالها دون أن تتجرأ حتى على الاعتراض، ممثلةً بذلك نسخةً عن أمها التي قُدمت بنفس الصورة،

ومرةً بصورة (روعة – كندة علوش) الفتاة التي تحلم بأن تصبح مطربة وتتخذ من الوصولية مذهباً لتحقق ذلك، وأُخرى بصورة (شيرين – جيني آسبر) السكرتيرة المُستغَلّة من قبل مديرها، مروراً ب (هيام – دينا هارون) المرأة التي تستغل حب (علاء – غسان مسعود) لها بهدف سرقة أمواله بالاتفاق مع صديق عمره، فلا بد للمرأة أن تكون مُستغَلّة أو مُستغِلّة كي تحقق مرادها لا وجود لحل ثالث في نظر الكاتب، ودائما هنالك رجل هو المحور الذي يدور حوله عالم النساء.


كما يُقدم العمل (رجاء – تاج حيدر) بالصورة التجارية الأقرب لقلب العاملين في الدراما، في المحاولة الدائمة لربط مفهوم الشرف والأخلاق وحصره بالعذرية وحدها، لتظهر بدور الفتاة التي تعرضت للاغتصاب من قبل رجل الأعمال (جودت بيك – أيمن زيدان) بعد أن باعها له زوج أمّها، لتتحول كالعادة من المظلومة صاحبة الحق، إلى الضحية التي ينبذها كل من يعرف قصّتها، وتضطر مرارا وتكرارا لرفض الزواج من الشاب الذي تحبه، خوفاً من عدم تصديقه لها، كنوع من الاعتراف بذنب لم ترتكبه.

تجربة تستحق الاهتمام:

يرى البعض في الدراما مجرّد مواد ترفّه المشاهد وتُذهب عنه تعب اليوم، بينما تلعب الدراما في الحقيقة دوراً جوهرياً يفوق ذلك بكثير، فعلى مستوى معالجة قضايا المجتمع:  يجب أن تتوجه الدراما لطرح كافة القضايا المتعلقة بأفراد المجتمع، ومشاكلهم، والمصاعب التي تواجههم، ومن غير المقبول أن تنقاد لرغبة السوق في رؤية بعض النماذج النمطية التجارية بعينها، بل يكمن جوهر عملها الفعلي بالسعي للتغيير من خلال: تقديم الحلول للقضايا المطروحة، فما فائدة تشخيص الطبيب للمرض دون تقديم العلاج؟ 


إذ تقدم الدراما وجبات دسمة سريعة التحضير من الصور النمطية الاستهلاكية للمشاهد، وتتركه دون تقديم الحل أو دون أن تلعب دوراً تثقيفياً حقيقياً، فذلك قصور عن وظيفة الفن الحقيقي الذي لا بد له من بناء خاتمة توعوية. وتكاد محاولة الممثلة أماني الحكيم في مسلسل سيرة الحب أن تكون ناجحة ومثال يقتدى به لمحامية تشرح قانون مهين للكرامة الإنسانية، ومجحف بحق المرأة كإنسان في الدرجة الأولى.
إن تجربة مسلسل سيرة الحب 2007 من إخراج عمار رضوان وتأليف لبنى حداد ويزن الأتاسي، على هيئة لوحة بعنوان (508) تحاكي المادة “508” من قانون العقوبات السوري التي تم تناولها في اللوحة، حيث تنص المادة على أنه:


” توقف الملاحقة القانونية بحق المغتصب إذا تم عقد زواج بينه وبين المعتدى عليها، لمدة لا تقل عن 5 سنوات، بشرط عدم تطليقها لسبب غير مشروع” 


والتي تأتي كتكملة للمادة “489” التي تنص على:
“من أجبر غير زوجه على الجماع بالعنف أو بالتهديد يعاقب بالأعمال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة، ولا تنقص مدة العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كانت المعتدى عليها قاصراً”


 تشرح ( فاتن – أماني الحكيم) التي تلعب دور المحامية ل (كنانة – ديمة بياعة) هذه المواد التي أقل ما يقال عنها أنها مثيرة للاشمئزاز لتقديمها مكافأة للمغتصب بدلاً من إنزال أشد العقوبات بحقه،  بعد أن قصدتها الثانية نتيجة  تعرضها للاغتصاب، في محاولةً غير مباشرة للمحامية فاتن لجعلها تبتعد عن اتخاذ قرار الزواج من المغتصب، واستبدال ذلك بسجنه كي ينال عقابه، كما تتطرق المحامية فاتن لشرح الجزء الأول من القانون الذي لا يعد أقل انتهاكاً من الثاني حيث يبيح للزوج الحق باغتصاب زوجته، فالقانون لا يعاقب على ذلك نافياً أي أهمية لكرامة الإنسان وأي قدسية للمساحة الشخصية.
كما تستنكر من خلال هاتين الحلقتين الكثير من القوانين والإجراءات الظالمة المتخذة بحق المرأة، كتلك المتعلقة منها بالطلاق والحضانة مروراً ببعض القضايا التي تواجه القاصرات الجانحات، لافتةً الانتباه لمواضيع غائبة تماماً عن ساحة الأعمال الدرامية.

أهمية الدراما ووظيفتها

تمتلك الدراما ميزة يجب أن تحسن استغلالها، ففي يدها القدرة على توجيه الدفة وكسر الحواجز للأخذ بالرأي العام نحو تحطيم الصور النمطية، ومن واجبها البدء باستنكار أي انتهاك بحق النساء وإظهار دور القانون، وتوجيه الاتهام للمتهم بدلاً من الضحية وقد كادت أن تفعل ذلك في لوحة “508” من مسلسل سيرة الحب، أولا عندما حاولت المحامية فاتن شرح بعض مواد القانون لكنانة، وثانياً من خلال الإضافة التي قدمتها صديقتها عندما سألتها كنانة عن رأيها في قبولها بالزواج من مغتصبها قائلةً “اصحك، رح تعيشي كل عمرك ذليلة” لتخرج كنانة بقرار رفضها الزواج و انتهاء الحلقة بنهاية مخيبة للآمال فإذ بأخيها الصغير الذي اعتاد ملاحقتها بمسدس بلاستيكي ممازحا إياها، حاملاً مسدساً ولكن حقيقياً هذه المرة، فحتى لو كان طفلاً، يكفي أن يكون ذكراً ليستعيد شرف العائلة، الذي استباحه مغتصب مختل، لترتبط من جديد العفة والطهارة وكرامة العائلة بعذرية إناثها.

وقد كان من الجدير أن تحمل الحلقة، أو الأعمال الدرامية المشابهة ثورة لفصل الرابط بين هذه المفاهيم، ومبادرة للبدء بتوجيه الرأي العام لرفض هذا المفهوم البالي المتوارث حول تحويل الضحية لمتهم في مثل هذه الحالات، والتركيز بشكل أساسي على الآثار النفسية التي تسببها هذه الحادثة بدلاً من الاكتفاء بسطحية التنقل بين بيوت الحي لمعرفة رأي الجيران بما حصل،


وعلى صعيد آخر من الضروري البدء بإظهار المرأة المستقلة كحالة طبيعية غير خارجة عن المألوف، وتقديم محاولة فعلية لتخليص المجتمع مما تبقى من موروثات لا ترجع به إلا للوراء. كما أن الدراما هي نافذة جميع فئات المجتمع على كافة التجارب الإنسانية، ولذلك فالتجارب التي تنقلها الأعمال الدرامية، تمتد لتشمل كافة المواقف والحالات التي قد يمر بها أي انسان عامة وأي أنثى خاصةً، لذا من واجبها أن تعكس صورة شاملة غير مشوهة عنها، ولا يجوز أن تنقل الحدث من زاوية واحدة فقط، خاصة لهؤلاء الذين ينفتحون على بعض هذه التجارب من خلال الشاشة الصغيرة فقط.

وهنا لابد أن نتساءل: ألم يحنِ الوقت كي يبدأ صناع الفن والدراما بتوجيه البوصلة النقدية لأعمالهم وتأدية رسالة الفن الملقاة على عاتقهم؟
ألا يحق لنا أن نطالب صناع الدراما بأخذ دورهم بكسر ذهنية التنميط ومقاربة قضايا المرأة بقدرٍ من المسؤولية، أم أنَّ الكلمة الفصل ستبقى لشركات الإنتاج وحدها؟

اترك تعليق