
رند الحسن
منذ أواخر القرن التاسع عشر . بدأت تتبلور حركات الانبعاث الثقافي العربي النهضوي و تؤسس لوعي وشعور عربي قومي بضرورة الانعتاق من المركزية العثمانية والمطالبة باصلاحات جذرية ، وبدأت دمشق تصبح مركزا الحركة القومية العربية ( او الوطنية بتعريفها المتداول ) والتي وجدت في نضالات حوران ضد العثمانيين حليفا لها ،
ولوقت طويل كان جبل حوران هو الملاذ الآمن لرجالات الحركة الوطنية السورية. ولجميع الهاربين من الملاحقة التركية
وكان استدراج سامي باشا الفاروقي والي دمشق لزعماء الدروز بخديعة اتفاقية صلح مزعوم 1910( حيث قام بإعدامهم جميعا في حي الميدان الدمشقي) ، كان الشرارة لرواد النهضة من السوريين واللبنانيين لاتخاذ مواقف أكثر راديكالية تجاه السلطة العثمانية
ومن جهة أخرى فقد كانت ثورة تركيا الفتاة 1908, قد تحولت سريعا من ثورة “شباب” و”اعتدال” الى أعتى فاشية عسكرية في مطلع القرن العشرين.
وكان لحوران حصتها الوافرة من تلك الفاشية فقد عانت من ظلم شديد وتعرض أهلها لتجويع ممنهج عبر مصادرة المحاصيل الزراعية و تفريغ صوامع القمح وفرض ضرائب باهظة على السكان .
لذلك فإن تلاقي بواعث النهضة القومية الناشئة مع تردي الأحوال الاقتصادية مضافا اليها سياسة الاتحاد والترقي العصبوية والفاشية تجاه السوريين العرب كان من اهم
الأسباب التي دعت الحورانيين للانضمام إلى الثورة العربية التي كانت قد بدأت في الحجاز منذ العام 1916
…..
لقد عاشت حوران ظروفا قاسية جدا في تلك السنوات اضطر فيها أكثر أبنائها إلى الهجرة إلى اي مكان يجدون فيه العيش الكريم ، وفي التراث الشعبي الحوراني العديد من القصائد التي تحاكي أحوال تلك المرحلة القاسية من تاريخ الجنوب
يقول الشاعر أحمد العليان من معربة:
سميت بسم الله زين الأسامي
اللي خلق سرد السبايا من الريح
سهرت عيوني عن لذيذ المنامي
ماهن سوى يلفن علينا مصابيح
لا خير دايم لنا ولا شر دامي
زمان بدلنا الغنى بالتناويح
وأشرفت أنا هماس زين السهامي
منبوتة العاقول والحمض والشيح
واتفرقوا مثل الجراد الدهامي
اللي على الجيدور واللي على رميح
…… ..
لم تكن حكومة الاتحاد والترقي لتسمح بتقارب يجمع بين سهل وجبل حوران . على غرار ما حدث عام 1852 عندما اتحد أهالي حوران (الجبل والسهل ) ضد الأتراك في معركة ازرع التي هزم فيها الجيش التركي بقيادة والي دمشق آنذاك محمد القبرصي . واستطاعوا فرض اتفاقية تمنع تجنيد الشباب . استمرت لعشر سنوات.
ولكن مع دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا بدأوا بأخذ أبناء حوران إلى الحرب ضد الانكليز خارج سوريا ما عرف وقتها في حوران بالسفر برلك وهو فرمان أصدره السلطان العثماني محمد رشيد يدعو فيه الشباب للالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية ، فأنشأ الفرمان فصل جديد من فصول المعاناة التي لاتزال المرويات الشعبية مليئة بحكايات مؤلمة عنها، فقد كان أبناء حوران يُتركون لمصيرهم على خطوط المعارك ، وقد حاول العديد من شباب حوران الهرب من السفر برلك والعودة إلى أهلهم وأراضيهم ، حتى أن أحد أبناء قرية معربة الملقب بموسى القاسم المقداد قد عاد مشياً على الأقدام من إسطنبول إلى قريته .
(الثورة العربية في حوران) :
بعد خلع السلطان عام 1908 سوف ينتهي عصر الجمعيات التي تتخذ من الإخاء العربي_ التركي اسماً لها, وستأتلف القوى المعارضة للفتاة في تجمع الحرية والائتلاف, وترفع شعارات كردستان للأكراد, أرمينيا للأرمن, البلاد العربية للعرب. وسيصير للجمعيات أسماء ذات دلالة قومية صرفة (القحطانية ردّاً على الطورانية, والعربية الفتاة ردّاً على فتاتهم, أو ذات طابع سري عسكري مثل جمعية العهد).
… ..
وفي منتصف العام 1916 يرسل فيصل ابن الشريف حسين برقيته الشهيرة, إلى نسيب البكري, ذات الكلمات الثلاث, “أرسل الحصان الأشقر” (حزيران 1916), ليبدأ الجيش التركي الرابع, المرابط بالمنطقة, بقيادة الضابط الألماني ليمان فون ساندرس, بالتقهقر أمام ضربات الحلفاء…
وفي ذروة وصل بها الصراع القومي, ضد أولاد جنكيز (بتوصيف فيصل) إلى أشده, حاول سازنوف (وزير خارجية روسيا القيصرية) أن يقدّم اقتراحاً أشبه بالمسخ, عن إمكانية جديدة لتحالف قومي, يتولى فيها جلّاد النهضويين العرب, في السادس من أيار, أي جمال باشا السفاح سلطنة عربية من 6 ولايات, مقابل أن يفتح الجبهة للحلفاء. فأرسل الاتحاديون, رداً على هذا, شخصين لاغتيال جمال في بيروت. لكنه علم بالامر فأعدمهم بعد بهم قبل وصولهم, ولما وصلوا أعدمهم.
بالعودة إلينا كعرب فمع اندلاع الثورة البلشفية في روسيا , وكشفها (من خلال نداء 3ديسمبر الموجّه إلى كادحي روسيا والمسلمين) اتفاقية سايكس بيكو التي أنهت حلم الدولة العربية المستقلة. تمّ التهديد بالردّ على الاتفاقيات, بعقد صلح عربي مع تركيا (حل إجرائي سريع), لكن الوقت كان قد تأخر, وما يسمى بالامبراطورية انتهت إلى غير رجعة.
وبدوره كان
سلطان الأطرش قد حسم خياره مبكرا معلنا انضمام الجبل إلى الثورة العربية وقام برفع العلم العريي فوق بيته في القريا مطلع العام 1917
( تمت خياطة العلم في بيت سلطان و هو العلم الذي سوف يرفع فوق السراي الحكومي في دمشق في العام التالي)
وقام شيوخ حوران بعقد الاجتماعات والتجهيز للثورة إلى حين وصول الجيوش العربية من الجنوب فقد كانت حوران هي المحطة الأولى قبل تحرير دمشق، وباقي سوريا
إحدى هذه الاجتماعات جرت في قرية غصم بحضور المجاهد طلال الحريذين الملقب ب (سيد السهل ) عام 1918م وحمل رسائل الثورة إلى سائر أرجاء حوران وشيوخها المجاهد عبد الله المقداد “أبو حديدين” من قرية غصم ، كما جرت ثلاث اجتماعات للتخطيط للثورة ضد الأتراك :
– اجتماع في بصرى الشام – مضافة الشيخ مصطفى المقداد
– اجتماع في جاسم – مضافة الشيخ سعيد الحلقي
-اجتماع في نوى – مضافة الشيخ مطلق المذيب
والاجتماع الأهم الذي عقد في طفس برئاسة : الشيخ فواز بركات الزعبي والمجاهد طلال حريذين والمجاهد فايز الغصن ،
نزلت القوات إلى حوران واجتمعت العشائر تحت الراية الهاشمية، و بدأت اولى المعارك في مهاجمة الحامية التركية في بصرى الشام بقيادة سلطان الأطرش وتم اسر جميع جنود الحامية وكانوا حوالي 300 جندي غالبيتهم من السوريين وتم كذلك تحرير السجناء( انضموا جميعا فيما بعد إلى الجيش العربي )
جاء في خطط الشام لكرد علي : نزل السيد نسيب البكري من الأزرق بأمر الأمير فيصل إلى جبل الدروز ولقي صديقه سلطان باشا الأطرش وجيش هذا الجبل نحو 200 فارس وذهبوا إلى بصرى وهنالك التحق بهم بعض الحورانيين ولا سيما آل المقداد وساروا إلى دمشق عن ماعدا المشاة إلى دمشق
……….
وأما عن الأحداث :
بدأت الحملة في خربة غزالة يوم 21 سبتمبر بتدمير محطة القطار ، وتعطيل سكة الحديد من قبل ثوار غصم وسكة الحديد بين درعا وخربة غزالة ، وفي بصرى الشام شرقي حوران استولى الثوار على قلعة بصرى الشام في يوم 25
انتقلوا بعدها إلى شمسكين واجتمعوا فيها مع الشريف ناصر بن علي والشيخ نوري الشعلان والشيخ عودة أبو تايه، وتحركت قوى غربي درعا إلى قرية طفس ودارت معارك بقيادة شيخ طفس المجاهد طلال حريذين،
فضرب الأتراك القرية بالمدافع ليستشهد طلال حريذين مع حوالي ال40 شخصا من طفس بينهم نساء وأطفال.
وفي 28 سبتمبر تحررت محطة درعا
ساروا بعدها إلى دمشق وكانت المعركة الفاصلة على طريق الكسوة ( معركة دير علي) هزم فيها الجيش التركي وتقهقر إلى الشمال
وفي هذه المعركة أسر قائد الجيش التركي انذاك رضا باشا الركابي، ( الذي اصبح بعد ذلك اول رئيس لحكومة فيصل 1920)
ثم تابعت الحملة مسيرها إلى داخل دمشق معلنة استقلالها عن الدولة التركية في 30 سبتمبر 1918م
وقد ارتجل المجاهد معذى المغوش أثناء رفع العلم العربي لاول مرة في سماء دمشق
عرش المظالم انهدم
والعز طب بلادنا
حنا حماتك يا علم
باوراحنا واكبادنا
….
اكمل الثوار طريقهم بعدها إلى وسط العاصمة وهم يهتفون :
وسعوا المرجة ترى المرجة لنا
وسعوا المرجة لتلعب خيلنا
وسعوا المرجة ترى المرجة لنا
وخيلك بو طلال تسبق خيلنا
_______________
العشائر البدوية المشاركة في الثورة
– حملة بقيادة نوري السعدي يرافقه : 400 جندي عربي نظامي بقيادة علي جودت الأيوبي
– خيالة الرولة مع الشريف ناصر والأمير طراد الملحم
– الشيخ نوري الشعلان أمير عشائر الرولة ومعه :100 خيال
– الشيخ عودة ابو تايه شيخ قبيلة الحويطات ومعه 200 خيال
– عشائر التوايهة
– عشائر بني صخر
ليصل تعدادهم إلى 3 آلاف مقاتل
______________________________
*المصادر :
1. فلاديمير لوتسكي ، تاريخ الاقطار العربية الحديث
2.مدونة وطن “طلال حريذين” سيد السهل الأخضر في حوران ، هيثم العلي
3. مذكرات تحسين علي ، صفحة 78
4. معجم المعارك التاريخية، نجاة سليم محاسيس ، صفحة 201
5. مدونة وطن “غصم” .. نموذج القرية المعاصرة والارتباط مع التاريخ ، هيثم العلي
6. خطط الشام ، الجزء الثالث ، محمد كرد علي ، صفحة 152
7. الموسوعة السياسية والعسكرية : الجزء الثاني ،فراس البيطار صفحة 72
8. الثورة العربية الكبرى ، المجلد الأول ، أمين سعيد 233،234.