عبثية الحرب وجيل الشباب

سارة حسن
..
ما هو العالم الذي ترغبون العيش فيه؟
ــــــــ عالمٌ لا مزيد فيه من الحروب.
الرغبات ومهما تبدّت لا عقلانيتها، تبقى المؤشرُ الأهم لعوزٍ بشريٍ ما، وحين تصدر هذه الرغبة عن جيلٍ استيقظ على عالم تحرسه أحلامٌ كاذبةٌ بالعدالة والمساواة والوفرة، عالم يستيقظ كل صباح على طبول الحرب والمجاعات والكوارث، أظن أنه من الواجب أن نفكّر قليلاً برغباتهم، فهذا الجيل هو ضحيّةٌ مرتين، ضحيّة للعالم الذي أورثناه إياه، وضحيّة لتحميله المسؤولية عما زرعناه فيه، وحين تصبح نتائجنا منطقيّة ترتبط بأسبابها، سيُتاح لنا أن نفهم بعمق أنّ رغباتهم تشير إلى البوصلة التي فقدناها.
ضمن أسوأ الظروف الإنسانيّة والمعيشيّة التي يشهدها المجتمع السوري، تفاجُئك في محافظةٍ كمحافظة السويداء السورية الأنشطةُ الاجتماعيّة والثقافيّة التي يقوم بها الشباب، فالواقع المتردّي الذي يشجّع على الانحراف والجنوح والانزلاق، لم يقف في وجه فرقةٍ موسيقيّة قد تصادفها في أحد الأبنيّة أو الحدائق العامة دون إعلان مسبق، كما أنّ الركض الحثيث وراء لقمة العيش، لم توقف خطواتهم اتجاه نشاط اجتماعيّ يتسابق فيه الكثير منهم لمدّ يد العون والمساعدة، هذه الصورة يجب أن لا تختفي في ظل الصورة النمطيّة المعمّمة، والتي تقف عند اجترار المشكلة، الشباب لا يبحثون عن الحلول، بل يجدونها.
بالعودة إلى التردّي الإنساني، فإنّ الانحراف والجنوح والانزلاق تصبح نتائج طبيعيّة، فالعبثيّة التي تخلقها الحروب، تجعل كل شيء يفقد معناه، هذه هي الصدمة الأولى التي يتلقفها وعي الشباب الآخذ بالتفتح، فعندما تفقد القيم الإنسانيّة معناها، يصبح كلّ شيء مبرراً، فلماذا يعترفون بعالم هو لا يعترف بهم أصلاً، هذا العالم الذي يصطدم مع أبسط رغباتهم، قد يدفعهم في الاتجاه المعاكس تماماً، سيبحث هؤلاء الشباب عن وجودهم في رفضهم لكل ما تعلموه ، وستفتح أبواب العنف مصاريعها لاحتوائهم، فالعنف عبر مشاركتهم بالحرب، والانضمام إلى الجماعات المسلّحة وعصابات الخطف والسلب، قد تشكل أقوى التقديرات الذاتيّة لوجودهم الذي يتآكله الإهمال واللاجدوى.
لذلك سيكون من السهولة استقطاب هذا الجيل من قبل المجموعات المسلحة، أو المجموعات المتطرفة، أو العمل لصالح الدول الكبرى كمرتزقة يتم إرسالهم خارج البلاد، بالإضافة إلى الأعمال غير المشروعة كالتهريب وتجارة السلاح والمخدرات، أو تعاطي المخدرات بأنواعها، وفي أحسن الأحوال السعي إلى الهجرة أو اللجوء، وما يكتنف ذلك من تعرضه للنصب والاحتيال ومخاطر رحلة اللجوء ، وإذا لم يتعين في كل ما سبق سنجده ساهياً في العالم الافتراضي ومستقراً فيه، هذا السهو الذي سينتج عنه جيلاً يعاني من العزلة وعدم القدرة على الاندماج وتعرضه لكل أنواع الاكتئاب، ومنهم من سيجد في الانتحار الطريق الأسهل للخلاص، وحالات الانتحار التي وُثّقت في محافظة السويداء لأعمار تراوحت ما بين سن 14 و30 شاهدة على ذلك.
وبالنظر إلى التقديرات الذاتيّة لهذا الجيل، فشلت المدرسة كمؤسسة خاضعة في تحقيق هذا التقدير، فالرواسب الاجتماعيّة التي تغلّف هذه المؤسسة والتي ساهمت في تماسكها الكاذب حتى الآن، باتت تعجز اليوم وفي المجتمع السوري كافةً عن تأمين احتياجات الشباب المعرفيّة والثقافيّة والتربويّة، خاصةً لطلاب المرحلة الثانويّة، كما بات فائض العبء الذي تشكلّه للأسرة ضمن التردي المعيشي في محافظات سوريّة تُصنّف بالآمنة إلى حدٍّ ما، من الأسباب الرئيسة للتسرّب المدرسي الهائل، رغم عدم وجود إحصائيات رسميّة توثقه، لأنّ قانون التعليم الإلزامي لم يؤخذ به منذ إصداره عام 1981م، حيث لم تُسجل عقوبة لولي أمر منذ ذلك الزمن وحتى الآن رغم أعداد التسرب الكبيرة. فبحسب إحصائيات أممية ومنها اليونيسف قُدّر عدد الأطفال السوريين المتسربين من التعليم في عام 2019م بمليوني طفل. *

في الحقيقة يمكن لشريحة الشباب أن تشكل قوة إيجابيّة تدفع عجلة التنميّة عند تزويده بالفرص التي يحتاج إليها، فعندما يقع نظرك على ورقتين وفي نفس المدينة كمدينة شهبا في محافظة السويداء، الأولى تتضمن دعوة لحفل موسيقي يضم أسماء مجموعة من الموسيقيين الأطفال والشباب، والثانية تتضمن ما لا يقل عن ثلاثين شخصا يعلن انضمامه إلى فصيل مسلح، يجعلنا نلمس الفارق بالفرص التي أتيحت لكلا المجموعتين ونقف على الأسباب التي أوجدت وجهتين متناقضين بالمجمل في بيئة واحدة ، في الحقيقة إن هذه الوجهة أياً كانت هي المكان الذي مكنهم المجتمع من رؤيته، ولكن حين تعجز المؤسسات الحكوميّة عن تأمين الوجهة الصحيحة، يجب أن تضطلع مؤسسات المجتمع المدني والأهلي بمسؤوليتها، وذلك لوضع رؤية شاملة تعمل على رصد وتتبع وإعداد خطط وآليات وبرامج، تساعد وتساند وتدعم وتصحح مسار هذه الشريحة، التي تعد صمام الأمان للمجتمعات المتعافية ، إنّ ما تتعرض له شريحة الشباب ليس عارضاً من أعراض الحرب، وسوف يزول بزوالها، إنهم بحاجة لنا، بحاجةٍ إلى استثمار آخر مساحات الوعي لدينا، العالم لن يتوقف ولكن علينا أن ننتبه جيداً إلى أين يتجه.
……
*عنب بلدي https://www.enabbaladi.net/archives/320146

اترك تعليق