بالنظر إلى مجرى التاريخ البشري، فإنّ أوهام القوة والسيطرة والتفوّق أسست لجميع أنماط التحيّز المدعومة بصور النفي والإنكار والإقصاء، وبناء سلوك اجتماعي شامل يرى في التحيّز والتحيّز الذكوري خاصةً الطريقة الوحيدة لإنتاج المجتمعات وإدارتها، لتبدو الحرب خيار منطقي وعقلاني لتقاسم الموارد وحلّ النزاعات وإقامة السلام، فالتحيّز الذي شرّع الاقصاء والاقصاء المضاد كوسيلةٍ لإنتاج الذات، أصبح وسيلةً عامّة ومشروعةً لتعيين العالم والتعيّن فيه، وأسس لثقافة التنافس والإزاحة كثقافة وحيدة لإدارة الموارد والتحكّم بها، وهذا ما اقتضى إقصاء النساء وإزاحتهن عن المشاركة الحرة، بتعليبهن داخل أدوارٍ نمطيّةٍ محددة لا تخرج عن الهدف العام لمنهج الإزاحة، واعتبار الحرب شأناً ذكورياً تستمدّ شرعيتها من فعل إزاحة مستمر، جعل من إقصاء المرأة عن المشاركة الفاعلة أحد مسلماته لاستكمال الهيمنة والتسلّط.
ولتأكيد وتعزيز هذه المسلّمة تم سوق حجج تبرر استبعاد النساء عن المشاركة بشكل عام، وعن المشاركة في بناء السلام بشكل خاص، ومن هذه الحجج التي قيلت في مناسباتٍ مختلفة: “مادامت النساء لا يؤدّين دوراً مهماً في الحياة السياسية في معظم البلدان، فلا ينبغي أن تكون مسألة مشاركتهن في عمليات السلام حقاً”/ “الحرب والسلم شأن الرجال حصراً”/ “ليس للنساء أي حقٍّ في المشاركة لأنهنّ لم يكنّ مقاتلات”/ “ليس هناك ضرورة لحضور أية امرأة لأنّ الرجال يستطيعون تمثيل مصالح النساء”/ “على النساء الذهاب إلى المنزل ورعاية أطفالهن”.1 إنّ هذه الحجج التي تحاول إثبات عدم جدوى مشاركة المرأة تنجم أساساً عن تصورٍ قبليّ عن العدالة، يُحدَّد بمقتضاه حجم مشاركة المرأة ونوعها.

وهذا ينسحب أيضاً على الكثير من الحجج المضادة التي لم تخرج من لبوس سابقتها النمطي، وإن كانت تدافع عن حق المرأة في المشاركة، فأن يقال: على النساء المشاركة “لأنهن مسالمات بالفطرة”، أو “أنّ النساء نصف المجتمع ومن حقهن المشاركة في صنع القرار”ـ، أو لأنهن أفضل من الرجال في صنع السلام”، فهذا يوقعنا في فخ التحيز من جديد، فهل النساء حقاً بحاجة لأن يكنّ نصف المجتمع لتبرير حقّهن بالمشاركة؟ فماذا لو كنّ ربع المجتمع ألا يحق لهن حينها المشاركة؟ وهل يتعيّن على النساء أن يكنّ أفضل من الرجال أو أكثر سلميّة منهن لممارسة حقهن الديمقراطي؟ والحجّة التي ترى أنّ مشاركة النساء ترتكز على: “النساء يمتلكن ميلاً طبيعياً ليكنّ أكثر تعاطفاً وسلميّة وأنهن مسالمات بالفطرة”، ألا تؤدي إلى “تأنيث السلام وتعزز أيضاً من ذكورية الحرب”2، أو ما يمكن أنّ يؤدي إلى تكريس الهوّة الجندرية وتعميقها؟
في الحقيقة إذا نظرنا إلى أهمية فعل المشاركة في حد ذاته، سندرك قبح الادعاءات التي تنفي أهمية دور المرأة في المشاركة، وسيصبح الدفاع عن هذا الدور أيضاً ثانوياً، ما نحتاجه حقاً هو الفهم العميق لفعل المشاركة كضرورة واقعية تمنح المجتمع قابلية الانتماء له، فالمشاركة هي إعمالٌ لفكرة العدالة، ليس من حيث أنّ الحق يقتضي ذلك فقط، بل من فهم الجانب البراغماتي لفكرة العدالة، التي تتحدد في المساهمة الفاعلة لكل القوى الاجتماعية في بناء المجتمع ونموّه، ولا تتعين المساهمة الفاعلة إلا في المشاركة، التي تنطوي على “معاني الابتكار والخلق والابداع، ولا تنبثق المشاركة الحرة إلا من الاستقلال الكياني للفرد(الرجل والمرأة) أو استقلال الشخصية، واستقلال الوجدان وحرية الضمير، هي المشاركة الخلاقة أو المبدعة، هي المشاركة القائمة على تكافؤ المتشاركين والمتشاركات، والقائمة على تساوي الشروط وتكافؤ الفرص، وتقتضي سيادة القانون واستقلال القضاء، والمواطنة هي مشاركة حرّة ومبدعة في انتاج الوطن وإنتاج الوطنية وليس مجرد تعايش قد يكون على مضض”3، لهذا إنّ المساواة الجندرية باعتبارها أهم الطرق إلى تشارك فعّال، تكتسب طابعها الحاسم من النظر إلى العدالة في كل أماكن النشاط الاجتماعي كضرورة واقعيّة، وليس كتصور مبنيّ على انحيازات بنيوية في نمط العلاقات الاجتماعيّة وطريقة المشاركة بها.

مالم تتعيّن المشاركة كأحد أهمّ أشكال وعي الضرورة، لن يتاح للحريّة أن تكون مجال التعّين الإنساني، كما أنّ المعطى الاجتماعي بكليّته سيكون مهدداً باللامبالاة والتحيّز، فمشاركة المرأة الفاعلة لا تتوقف على الاعتراف بقدرتها على بناء السلام كونه ضرورة ملحة لبقاء المجتمعات واستمرارها فقط، بل يشكل الاعتراف بفاعليّة النساء الشرط العام لعدم التحيز الذكوري، من حيث أنّ ثقافة الاعتراف هي في نفس الوقت اعتراف بالآخر واعتراف بالذّات، وتجعل من نقد الذات أيضاً وسيلةً دائمةً لمراجعة البنى الثقافية المؤسسة من وجهة نظر غير متحيّزة لم تعد تنظر إلى الهيمنة والتسلّط كوسيلتين أساسيتين من وسائل الإنتاج الاجتماعي، في هذه اللحظة بالذات يمكن لوعي الضرورة أن يأخذ معناه كاملاً، حيث يصبح مستقبل الوجود هو مستقبل المرأة والرجل، مستقبلٌ ينظر إلى الاختلاف لا من باب النقص والدونيّة، أو من باب الاقصاء وعقد التفوّق، بل من المساواة التي تفضي إلى العدالة، والعدالة التي تفضي إلى التكامل، والتكامل الذي سيُنتج بدوره مجتمع الوفرة الماديّة والأخلاقيّة، لنتصور أي دفعة خلّاقة يمكن أن ندفع الحياة بها لو كانت المرأة في مكانها الصحيح.
_1 المرأة والحرب، تحرير كارول كوهن، ترجمة ربى خدام، الرحبة للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى 2017
2 المصدر السابق
3 تأملات في المسألة الوطنية، جاد الكريم الجباعي، مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، الطبعة الأولى 2021