// القصة الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة القصة القصيرة أقلام ملونة2022//

هي المرة الأولى التي أتذوق فيها طعم الدموع التي يذرفها الفرح، دموع سلسة صافية لا ملح فيها. عاصفة من الفرح المباغت طوحت بي إلى دروب بعيدة, نشوة انتصار مختلف عن كل الانتصارات في ذاك الزمن، جعلت صوتي يرتعش كلما حاولت أن أصرخ أنّي قد فعلتها، وقد بدّد الخوف كله الذي عشّش في روحي منذ غيابه .
أغلقت سماعة الهاتف، لكنّ صوت محادثتي ظلّ يتردّد في أذني: (تم قبول طلبك للزيارة، سجّلي رقم الموافقة وعليكم مراجعة القسم المسؤول، والأمر يحتاج إلى بعض.. أنتِ تعرفين.)
جلست أقلّب في رأسي أيّ السيناريوهات أفضل لإخبار أمي وأخوتي، وكما كل الأحداث تجري مباغتة إلى نهايتها المحتومة، إذ قطعت عليّ أمي حبل أرجوحة القلق في داخلي لترميني في تلك الطفلة التي كبرت خلف ذاك السور، السور الذي مازال يعلو وتكبر الكلمات المنمقة عليه (ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب)، لكنها لم تفقد عفويتها، فسردْتُ لهم ما جرى وعن تلك الأبواب التي وقفت أمامها وطرقتها، أبوابٌ بليدة وأخرى صامتة، أبوابٌ مرعبة. رعاية الله وحدها كانت تحميني، وأبوابٌ خانتني شجاعتي من الاقتراب منها واكتفيت بالنظر إليها من بعيد، وظلال الكلام يتطاول بعنقه خلف الأسوار، أراقب الفرح يتثاءب في عيون أمي وأخوتي، نعم لقد كبرت تلك الطفلة ذات التسعة أعوام، هذا ما قرأته في وجوههم، وهذا ما سمعه في كلمات رسالتي والتي أُذيعت خلف تلك الأسوار، عبر برنامج أثيريّ تتهرّب الكلمات فيه من سياط الجلاد وتختصر الفرح لديه عبر حبّات سكرٍ يوزعها على رفاقه في تلك الزوايا المنسية, منتشياً بسماع اسمه ولأول مرةٍ ربما.. بدل أن يُعرّف بشتيمةٍ نابية ..
حبّة سكر من تلك السنديانة التي مازالت تورق رغم امتداد السور حولنا وفينان هذا كان إيمانه ويقينه والسّكر الباقي كان ينثره والخيالات تتراقص في عينيه، ينثرها في الدروب التي سرنا بها، وكبرنا في منحنياتها، يستذكر وعده لي عندما كتبْتُ أوّل موضوع إنشائي لي يحمل عنوان الحرية، يعلم أنه لم يفِِ بوعده فتنكمش روحه، لكنه لا يعلم عدد رسائل الغفران التي كتبتها ومزقتها، يخاف ممّا لا يعلمه فيعيد ترتيب بعض الحاجات التي استطعنا إرسالها إليه وينظر من بعيد للرجل الذي أعطاه إياها والذي أخبره أنها أُرسلت ضمن أغراضه ليوصلها له، يراقبه وهو يأكل خبز أمي ويشرب قهوته ويصمت، فقد علّمته الأسوار العالية أن يكتفي بحلمٍ صغير، لم يكن بحاجة لأكثر من أخبار سعيدة عنّا أمّا صورنا فكانت النوافذَ التي يطلّ منها إلينا، يتلقى التهاني بأن حياته خارج السور ما زالت تنبض في أربعة أرواح تعيد له اسمه، يعلقها على جداره متنسّماً عبرها حياةً وحلماً قد لا يخرج منه. والحلم ذاته يشدني لحضنه، لرائحة التبغ على ثيابه، لوعدي له أن يبقى حقله أخضر.
نعد حوائج زيارته كمن يعدّ حوائج طفل جديد، كل شيءٍ يلونه الفرح، كيف سيكون اللقاء الحلم؟ وأنا التي وعدت نفسي ألا أبكي وألا تكون القضبان حائلاً بين روحينا.
هل كان يدري عن بداية الحلم أنه كان يوم الاثنين فطلب منّا ألا نتكبد عناء الزيارة، أم أنه كان يساعدني على التصالح مع هذا اليوم، ليبدأ كل شيء يوم الاثنين وينتهي يوم الاثنين.. هل مازال خجلاً من عدم الإيفاء بوعده؟ أم رفض رؤية انكسارنا أو انكساره أمام حرّاس الأسوار العالية؟
في هذا اليوم كنّا كأضواء تُنار وتُطفأن تلك السنديانة تجهّز أغراض الزيارة، تزيّن روحها من جديد مُقنعة نفسها بأنّ حبيبها مسافرٌ ليس إلا وأنّ ما يفصل بينهما بضع كلمات، وأنّ هذا السور مجرد وهمٍ تستطيع رائحة الخبز اختراقه، تبتسم للحاجيات الكثيرة التي أعدّتها واثقةً بأنّ مَن سيحملها هم نفسهم مَن كان يحملهم على أكتافه ويغني لهم (يا ليل الصبُّ متى غده)، بينما أحاول أنا عبر كيّ الثياب أن أمسح كل القلق وأجعل الطريق مستقيماً إلى ذاك الحلم، أراقب البخار يتصاعد من المكواة وكأنّ أحلامي تتبخّر معه فيوقظني صوت الهاتف، أرفع السماعة ولا يجيبني أحد! يتكرر ذلك ويساورني القلق,لتأتي الإجابة عبر صرخة أمي. أنظر في ذاك الطريق المستقيم لأرى الناس يمرون من أمام بيتنا متحاشين النظر إليّ وإليه وقد باتت حجارته سجّيلاً في يوم القيامة، يحاولون العبور إلى ظلالٍ أخرى خلف السور وفي الطريق المستقيم تكمن الحقيقة، ثلاثة عشر عاماً من الغياب، كلٌ خلف أسواره، كلٌ خلف ظلاله، ابتسامات تحيا في الظلام، ثلاثة عشر عاماً من الحلم والأمل… من الانتظار… من ثني الأصابع في العد… ثلاثة عشر عاماً من العمر المؤجل بين غيابَيْن .. بين يومَي اثنين ليصبح الغياب فنّاً يتقنه، ويتقن الحلم كما الفرح خذلاني.
لم أبكِ عند لقائه، هل كان ذاك وعدي، أم كان ذاك قهري، أم كان الملح في دمعي حجراً ؟!! .
هو يوم الاثنين وقد عادن هو يوم الزيارة.. يوم الولادة المنتظر، لكنها أنجبت طفلاً ميتاً.
مات أبي ………….. والزيارة تأجّلت.