التراث اللامادي في الجنوب السوري

مادة ل محمد الحمادي

تقاسمت درعا والسویداء تاریخ حوران مناصفة: القمح والأغاني والغزاة.
ومثلما لم یعد یعرف الأحفاد الیوم من صاحب “المنسف” أھل السهل أم أھل الجبل، لا أحد یعلم من صاحب تلك الأغاني والقصائد الشجیة التي عاشت مئات السنین. في قلوب أھل حوران ویعتبرونھا جزءا من ممتلكاتھم الشخصیة.
فلا یمكن لإبن حوران سھلا وجبلا أن یتنازل عن أغنیة (لاكتب ورق وأرسلك) وحريٌّ به أن لا یفعل. وكذا أغنیة (يا عين هلي من الدمع يا عين).
..
لمن أغنیة ( حطي على النار يا جدة)؟. ومن صاحب (ولّعتني بالھوي یللي..)؟
لن ينتهي ھذا الجدال. ولیس علیه أن ینتھي عندما یكون الخلاف على اقتسام الجمال وعلى اقتسام روح حوران الغنائیة.
لا یجب التنازل عن (یوم على یوم) أیا كان من غناھا أو كتبھا .فمَن في سوریا الیوم لا یعتبر أغنیة (یا دیرتي) ملكا له؟
و من لا یمیل طربا عندما یسمع (محبوب قلبك بالھوى سمیتني )، أو یلوح بیده مع (یمّھ ویا یمّا شدیلي مخداتي)
ھي روح الجنوب التي تجمعه في زمن الفتن والانقسام.
وھي (حبل العشق الممدود من صلخد إلى نوى.)
هو تراث حوران.
ذلك التراث الغني بغزارتھ وتنوعھ وامتداده تاریخیا لآلاف السنین مؤثرا ومتأثرا بثقافات المجتمعات الممتدة على مساحات واسعة جنوب سوریا وشمال الأردن و من فلسطین الى العراق والجزیرة العربیة .
لیس من شك في أن التراث الغنائي الشعبي ھو حارس الذاكرة الأمین، والقناة التي تمر عبرھا القیم النبیلة، قیم النخوة والشھامة والفروسیة، لتتوارثھا الأجیال مثل كنز ثمین، ھي كتاب للتاریخ غیر محرف أو مزیف، یروي لنا حیاة الأجداد بكل تفاصیلھا على مر العصور.
حوران الضاربة بعمق التاریخ تملك تراثا غنائیا غنیا ومتنوعا بأشكالھ، من مواویل وعتابا جبلیة وجوفیات وھجیني وأھازیج وحلقات دبكة للشباب وكبار السن التي تلھب حماس المرء ومشاعره، وتمتاز بالبساطة في الأسلوب واللحن والمعنى، وھي من صمیم اللھجة المحكیة.
فعندما غنى الراحل “فھد بلان” الذي ترك وراءه تاریخا لامعا أغنیتھ الشھیرة ” یومٍ على یوم”، لم تبقَ داخل حدود سوریا فحسب،بل دخلت معظم بیوت الوطن العربي، وغناھا السوریون في غربتھم بقارات العالم أجمع، ومثلھا “غالي علینا یا جبلنا”، و” سفرھم طال”، والكثیر الكثیر على مدار أربعین عاما من مسیرتھ الغنائیة.
كما عمل الراحل “سعد الذیب” على إعادة إنتاج تراث المنطقة الجنوبیة الغنائي، عبر تلحینھ لكم كبیر من الأغاني التراثیة، وساھم عبر سنوات حیاتھ بإحیاء الكثیر منھا وحفظھا من الاندثار والنسیان، وعنھ یقول الكاتب الصحفي “محمد منصور” في مقال على موقع “أورینت” إن أغانیھ یمتزج فیھا اللون الجبلي مع حزن البادیة وامتداداتھا، وكانت تنسج على ھذه الروح الغنائیة المشبعة بالحزن واللوعة والحنین والتي تستحیل في لحظة تصعید طربي إلى نشوة إیقاعیة حماسیة تبعث روحاً معاصرة في الجسد التراثي”.
في السویداء برز اسم “نجیب أبو عسلي” مؤسس فرقة كورال السویداء الجماعي بأسلوب أكادیمي، ولأول مرة في ذلك الحین استمع الجمھور السوري إلى أعمال فنیة جماعیة اعتمد في إخراجھا على التوزیع الموسیقي الآلي والغنائي أو بما یعرف بالھارموني، وطور مجموعة من الأغاني التراثیة التي أصبحت تردد في جمیع المحافظات السوریة.
كما كان دائما ثمة جیل من الشباب أعادوا إحیاء الموروث الغنائي الشعبي، منھم “عماد غلاب” و”خطار غلاب” و”لؤي العقباني” و”عماد خویص” وغیرھم ، نقلوا جمالیة وبساطة حیاة الجبل وشجاعة أھلھ وبطولاتھم.
ومن جھته یقول الدكتور “أحمد الحمادي” مدیر ثقافة درعا الأسبق، إن “أغلبنا لا یزال یتذكر أغنیات الفلاحة والزراعة والحصاد وجمع المحصول”، مضيفا: “في الأفراح تستجلب الأغاني التي تعكس القیم العامة الراسخة في المجتمع والدالة على الكرم والشجاعة والتضحیة لغایات سامیة والرجولة والعنفوان وإغاثة الملھوف ونصرة الضعیف والفزعة ومكارم الأخلاق، كما للحب والمحبوب”.
وأكد أن الأغنیة الشعبیة في حوران عامة بسھلھا وجبلھا وھضبتھا وثقت السجل النضالي لأبناء المنطقة ضد قوى الاحتلال والعدوان أنتجھا أدباء شعبیون قد تكون أسماءھم محفورة في ذاكرتنا أو انتشر إنتاجھم من دون معرفة مبدعه، مشيرا أن من متممات ولوازم الأغنیة الشعبیة الحورانیة الأدوات الموسیقیة المرتبطة بھا مثل المجوز والشبابة والربابة والدف والدربكة والعود أحیانا وغیرھا حیث برع فیھا العدید من الفنانین الشعبیین ومنھم الفنان (أحمد القسيم) و
(عماد غلاب) و (أبو غسان الزعبي). وغيرهم
وقال “الحمادي” عملنا مع نخبة رائعة من أبناء حوران في جمع التراث الشعبي عندما كنت مدیرا لثقافة درعا ورئیسا للجنة جمع التراث وممن اھتموا بمجال الأغنیة الشعبیة مثل المرحوم “أحمد ناجي المسالمة” والمرحوم “تیسیر الفقیة” والشاعر “عبد الكریم الحمصي” والشاعر “أحمد الشرع” والأستاذ “سمیر العبد ﷲ” والمرحوم “غازي العماري” والعمید “جوزیف الذیب” و”وجیة الذیب”و”ابراھیم شعابین” و”عبد الرحمن الحوراني” و”حامد عبد الرزاق الحریري” و”منیر الذیب”، وهاجم الذيب”، و”خليل حوشان”، و”أحمد القسيم”، “و”أحمد الحاج علي” وغیرھم وھم من الشخصیات الثقافیة المتعددة المجالات الإبداعیة.
ولیس غریبا أن ترى تفاعل الناس خارج سوریا بالموروث الغنائي لحوران ففي شھر آب/أغسطس من عام 2017، خطفت “فرقة تراث حوران” أنظار الكندیین في مدینة “أدمنتون” بعروضھا التراثیة المبھرة في الدبكة الحورانیة والغناء التراثي بعد أقل من شھر على تأسیسھا ونشرت النائب في البرلمان الكندي بمقاطعة ألبرتا “نیكولكوھرینغ” على صفحتھا في “فیسبوك” مقطع فیدیو للفرقة خلال مشاركتھا في مھرجان یوم التراث في مدینة “إدمنتون” وسط الغرب الكندي في نسختھ الـ42 وفق ما ذكرت صحیفة “زمان الوصل”.
وأعربت النائب “كوھرینغ ” عن سعادتھا لحضور عروض الفرقة القادمة من درعا، داعیة محبي الرقص والدبكة إلى مشاهدة العروض وتشجیعھا، كما نشرت صوراً لھا مع الفرقة واعدة بتنظیم حفلات أخرى للفرقة في “إدمنتون” لتعریف الكندیین بالتراث والفن السوري الأصیل.
وتقول الكاتبة الصحفیة “آرام أبو صالح” في مقال على موقع “رصیف 22” إن الأغنیة الشعبیة في الجنوب السوري، تتنوع ومنھا “الھجیني والحداء والجوفیة والمھاھاة، والمخمس، والعتابا، والدلعونا، والھوارة، والحروبي والمطلوع”، مضيفة أن الأغنیة الشعبیة في الجنوب السوري مرت في عدّة مراحل زمنیة، ولكنھا عندما اصطدمت بالقھر والظلم والاستعمار،ھیمنت علیھا ثیمات الأغنیة “الرومانسیة”، كالعاطفة والتقالید المحافظة والحب والحریة والخیال، والطبیعة.
على الأجیال القادمة المحافظة على ھذا المخزون الثقافي العریق الذي ینم عن عراقة الإنسان الذي عاش على ھذه الأرض، فالمستقبل یبقى بلا روح دون صدى الماضي الحافل بالفخر والغزل والبطولات وحب الأرض.
ولا یقتصر التراث الشعبي على الأغنیة فقط بل یشمل القصائد المغناة والأشعار والقصص والحكایات الشعبیة والرقص والأمثال والألغاز والاحتفالات وغیرھا.
وبمقدار ما تحافظ الشعوب على إرثھا الثقافي والتاریخي. بمقدار ما ترسخ ھویتھا الأصیلة والعریقة

اترك تعليق