البنيوية، وموقع النحو والصرف من بنية اللغة

           

أيمن مراد – كاتب من سوريا

إذا نظرنا للغة العربية نظرة بنيوية، سندرك أن هناك فرقًا جوهريًا بين نظامي النحو والصرف من حيث موقعهما من هذه البنية، فنظام النحو هو نظام مضاف للبنية من خارجها، ليس جزءاً منها، على حين أن نظام الصرف، هو جزء أصيل من هذه البنية، يتطور معها ويتراجع معها، يمكن إجراء تعديلات وتغييرات في نظام النحو دون المساس ببنية اللغة، لكن لا يمكننا إجراء أي تعديل في نظام الصرف إلا وسيحصل معه تعديل على بنية اللغة. فنظام النحو كنظام الكتابة هو نظام خارج بنية اللغة يمكن تغييره بالكامل دون المساس ببنية اللغة، أما نظام الصرف فهو نظام الكلام واشتقاقه وتوالده فهو جزء أصيل من البنية.

معظم اللسانيين العرب لم يقفوا كثيرًا عند بنيوية دوسوسير1، لم يهضموها، لم يتملكوا من المنهج البنيوي، أخذوا منه بعض المقولات واكتفوا بها دون اتقان الدرس البنيوي، لم يدركوا أن دوسوسير هو أساس علوم اللغة الحديثة، بدون هضم دوسوسير لا يوجد ألسنيات وسيميائيات وعلوم لغة حديثة، بدون دوسوسير لا يوجد تفكيكية ونحو وظيفي وعلوم النص وعلوم النقد الحديثة، دوسوسير حجر الأساس في العلوم اللغوية الحديثة، كالفراهيدي2 في علم العروض، والجرجاني في البلاغة، وسيبويه (تلميذ الفراهيدي) في النحو.

اكتفى معظم اللسانيين العرب ببعض المقولات عند دوسوسير كمقولة الدال والمدلول، ومقولة تاريخ البنية، ثم قفزوا إلى ما بعده، دون فهم الدرس اللغوي عنده، والغريب أنهم يجاهرون في اختلافاتهم ونقدهم لدوسوسير، إنهم ينقدون ما لم يتمكنوا من هضمه وفهمه.

ونحن نرجح أن هذا الموقف من بنيوية دوسوسير هو موقف أيديولوجي، فالعمى الأيديولوجي يجعل الألسني العربي يرفض مقولة البنية حين يسقطها على اللغة العربية، وكيف له أن يقبل أن اللغة ليست تاريخها، وليست نصوصها، وليست تراثها، وكيف له أن يقبل أن بنية اللغة هي التي تعطي الدال قيمته، وليس المعجم، وأن المعجم للأعاجم وليس لأبناء اللغة.

فرديناند دي سوسير 

هذا العمى الأيديولوجي قد حرمنا وحرم اللغة من انفتاحها على لهجاتها، لأنه كان السبب الرئيس في تسيد علم النحو على اللغة، وإعلاء شأن النحو لدرجة جعل معها اللغة الفصحى مقدسة واللهجات مرذولة، وبالتالي جعل الناطقين بلهجاتهم يرافقهم شعور بالذنب والخطيئة لعدم استخدامهم للغة الفصحى، خصوصًا في مراحل الدراسة (الطلاب في المدارس وما يتعرضون له من شعور بالذنب بسبب طرق تدريس اللغة التي تعلي من شأن النحو وتخفض من شأن الصرف).

ساد علم النحو على بنية هو ليس جزءاً منها، وتراجع علم الصرف وهو جزء أصيل منها، وهذا لعمري هو أحد أسباب المعضلات اللغوية في عصرنا، والتي امتدت لتكون معضلات في بنية التفكير والقيم والنظم الثقافية، ذلك أن سيادة النحو  وتواشجه وتعالقه  مع اللغة، وتاريخه الطويل معها، وعلاقة النحو في تفسير القرآن واختلاف التفاسير باختلاف الإعراب، كل هذا وغيره جعلنا نظن أن النحو جزءٌ من بنية اللغة، وجعل المعضلة تتجذر في كل ما يتصل باللغة في حياتنا وكل ما له علاقة بها، فاللغة لها علاقة بنظم التفكير، ولها علاقة بنظم القيم، ولها علاقة بنظم الثقافة، ولها علاقة بنظم تذوق الجمال، وعلاقة اللغة بهذه النظم وغيرها هي علاقة عضوية، بمعنى أن هذه النظم لا تقوم بدون اللغة، فكيف لهذه النظم أن تستقيم مع لغة ينظمها نظام متخارج مع بنيتها؟ 

الخليل بن احمد الفراهيدي

هذه معضلة حقيقية ونحن نلمس تبعاتها حين نتتبع هذه النظم، فلدينا معضلة في نظم التفكير ونظم الثقافة ونظم القيم الخ…. وأحد أسباب هذه المعضلات هو تضخيم دور النحو على حساب دور الصرف في التعامل مع اللغة، هذا التضخيم رفع علم النحو من مقام الخادم الذي يعتني بجودة النص ووضوحه، إلى مقام السيد الذي يحكم النص وكاتبه وقارئه، وخفض الصرف من مقام السيد الذي يحكم بعناية فائقة نظم الكلام، إلى تابع ثانوي لا يلتفت إليه.

نظام الصرف هو نفسه  في الفصحى وفي أية لهجة من لهجاتها من طنجة غربًا إلى شواطئ الخليج شرقًا، ومن أورفا شمالًا (وفيها لهجة عربية) إلى أقصى جنوب الصومال وإريتريا جنوبًا، وبالتالي فهذه اللهجات ليست لغات مستقلة، إنما هي تنويعة على اللغة، تنويعة على اللسان العربي، علم الصرف يوحدها في نظام لغوي واحد وفي بنية لغوية واحدة، إنما علم النحو يفرقها ويجعل منها لغات ولهجات فاسدة ومرذولة، والغريب أن دعاة الوحدة العربية والوحدة الإسلامية هم أنفسهم الذين يعلون من شأن النحو ويضخمونه ليأخذ دورًا أكبر من حجمه ووظيفته، إن العمى الأيديولوجي وأحادية التفكير وعدم فهم مفاعيل اللغة هو الذي يقودهم إلى ما يفعلونه.

كتبت حتى الآن 650 كلمة في هذا النص (حسب العداد الإلكتروني)، لم أضع حركة واحدة على أواخر الكلمات باستثناء تنوين النصب، فأين ظهر علم النحو فيما كتبت؟ 

كتبت فأنا كاتب، ولو قلت: كتبت فأنا مكتوب لاعترضتم جميعًا على هذا الخطأ البين، على حين لم يعترض أحد على عدم وجود الشدة والفتحة على الياء في كلمة الأيديولوجي التي وردت أعلاه عندما كتبت (إن العمى الأيديولوجي)، فأين علم النحو؟ ولو أنني أتحدث ولا أكتب وسكتت عن تشكيل أواخر الكلمات كما كان يفعل الرسول الكريم، لبقي كلامي واضحًا ومفهومًا ولا اعتراض عليه، أي أن علم النحو كله سقط ويسقط دون أن يؤثر سقوطه على بنية اللغة ووظيفتها، على حين تغيير بسيط في الصرف أو استخدام خاطئ له قد يغير كل مجرى الكلام ومعناه وفائدته.

هذا ليس كلامًا للتخلي عن الضبط النحوي (مع أني دعوت وأدعو لإعادة النظر في علم النحو)، إنما هو كلام لإعادته لحجمه وطبيعته ودوره كخادم يعتني بوضوح اللغة ومنع اللبس فيها، وهو كلام لإعلاء شأن الصرف كناظم للغة، يفتحها على لهجاتها، ويجعل من هذه اللهجات رافدًا لها، وبالتالي يجعل من هذه اللغة لغة لصيقة بكل تفاصيل حياتنا، وليست فقط لغة النخبة الذين يكتبون.
________________________________________________________________________

  1. فرديناند دي سوسير 1857 – 1913، عالم لغوي سويسري. يعتبر بمثابة الأب للمدرسة البنوية في علم اللسانيات، فيما يعتبره الكثير منن الباحثين مؤسس علم اللغة الحديث
  2. الخليل بن أحمد الفراهيدي 718 – 786 م، عالم بارز، وإمام من أئمة اللغة والادب العربيين، وهو واضع علم العروض، وقد درس الموسيقى والإيقاع في الشعر العربي ليتمكّن من ضبط أوزانه
اترك تعليق