عمل المرأة بعد الحرب.. أعمال مرتجلة وإسعافية 

ظروف الحرب وتبعاتها، الواقع الذي فَرَضه النزوح، موت أو غياب الزوج والمعيل والسند، ومن ثم تدهور الواقع الاقتصادي والمعيشي في عموم البلاد. كل ذلك فرض على الكثير من النساء تحمل أعباء الحياة بمفردهن، ليواجهن واقعاً معيشياً مريراً يثقل كاهلهن كل يوم بشتى أنواع المعاناة. واقعٌ أجبَرهن على الدخول إلى ميادين أعمالٍ عديدة لم تكن مألوفة في السابق، بعد أن أصبحن المعيل ومصدر الدخل الوحيد لعوائلهن المُعدمة.

 خلال السنوات الماضية أصبحت معظم شوارع دمشق وبعض المحافظات الأخرى تكتظ بحضور بائعاتٍ ينتشرن على الأرصفة منذ ساعات الصباح الأولى. وسط الإزدحام الخانق، ليفترشن بسطاتٍ مرتجلةٍ، قد تكون أحياناً بمحاذاة أقدام العابرين، تبيع ما تيسَّر بيعه، كبعض أنواع الخضار والفاكهة، الحشائش والأعشاب البرية، حبوب الفول والبازيلاء، مشتقات الألبان والأجبان، وبعض أصناف الأطعمة والمؤونة المصنعة منزلياً (مخلالات، مربيات، زيتون، مكدوس، خل، زبيب…الخ)، هذا إلى جانب بعض الصناعات اليدوية والإكسسوارات وغيرها، مُتحدياتٍ مرارة الحياة البائسة والظروف القاهرة التي تفرضها أجواء الشوارع. وقد نجد أحياناً نسوة يجلسن خلف بسطات لبيع بعض المعونات والسلل الغذائية التي تقدمها الجمعيات الخيرية والإغاثية، أو بسطات لبيع الألبسة والأحذية المستعملة، التي يبدو أنها جُمعت من التبرعات أو من أناسٍ تخلوا عنها. 

في الشوارع أيضا،ً أصبحت مهنة بيع الخبز تُشكل مصدر رزقٍ لكثير من النساء المُعدمات، اللواتي يُجبرن أحياناً على بيع مخصصاتهن. حيث يحملن عدداً من الربطات، التي تحتاج لساعات طويلة من الانتظار على الأفران للحصول عليها، ثم يستوقفن المارة والسيارات العابرة لكي يبعنها بأسعار مختلفة. 

 في سوق الهال وأسواق الخضار والفاكهة، سنجد نسوة يعملن في تقشير حبوب الفول والبازيلاء والثوم، وفي حفر الكوسا والباذنجان وتقطيع البقدونس، إلى جانب بعض الأعمال، التي كانت محصورة بالرجال (العتّالة) وتحتاج لمجهود بدني كبير، كنقل صناديق وأكياس الخضار والفاكهة وجرِّ العربات الثقيلة. وغير ذلك من الأعمال المتوفرة.

****

إلى جانب ذلك، دخلت بعض النساء ميادين أعمال مجهدة كانت في السابق حكراً على الرجال كالعمل في معامل مواد البناء وفي المصانع والورشات  الصناعية وغيرها. ورغم ذلك يتقاضين دخلاً لا يعادل نصف دخل العاملين الذكور. إذ يستغل بعض أرباب العمل حاجتهن الملحة لتأمين لقمة العيش، رغم أنهن يحققن الأداء الانتاجى ذاته الذي يحققه الرجال، بل ويُجبرن، إلى جانب عملهن، على تنظيف الورشة أو المعمل في نهاية يوم العمل، ما يضطرهن للتأخر لساعات إضافية.

وفي الشركات والمعاهد وبعض بيئات العمل، يمكن ملاحظة حجم وجود النساء العاملات كمستخدمات. وذلك مقابل دخلٍ لا يكاد يُذكر، رغم حجم الجهد البدني والنفسي الكبير الذي يبذلنه خلال تنظيف الصالات والممرات والمكاتب والحمامات والمطابخ وغيرها من الأعمال، هذا إلى جانب تحضير المشروبات والأطعمة للموظفين، الذين كثيراً ما يعاملنهن بدونية ويطلبون طلباتهم أحياناً بصيغة الأمر.  

 وقد أصبح عمل النساء في المطاعم والمقاهي، كنادلات وعاملات مطبخ وعاملات تنظيف، خياراً للكثير من الباحثات عن قوت يومهن، رغم استهجان وانتقاد البعض لطبيعة عملهن، ورغم حجم التعب الجسدي الذي يتكبدنه خلال ساعات العمل الطويلة، هذا عدا عن تعرض الكثيرات منهن لمضايقات بعض الزبائن وأحياناً لحالات التحرش المختلفة، حتى ولو اقتصر الأمر على التحرش البصري واللفظي، وهو ما يضطرهن في بعض الأحيان لترك العمل. ولا تقتصر معاناتهن على ذلك، بل هناك معاناة العودة إلى بيوتهن ليلاً بعد نهاية العمل، والتي تبقيهن عرضة لمخاوف عدّة. 

وفي السنوات الماضية نشطت ظاهرة مندوبات المبيعات، اللواتي يتقاضين دخلهن من نسبة المبيعات التي يحققنها، ويمكن  ملاحظة حضورهن المُلفت خلال سيرهن في الشوارع طوال النهار أو خلال صعودهن أدراج البنايات ليقرَعن عشرات الأبواب من أجل عرض بضاعتهن المُتنقلة في حقائب قد يعجزن عن حملها. وسط نظرات الشفقة والاستهجان التي تُلاحقهن وهنّ يلهثن ويتصببن عرقاً وبالكاد يلتقطن أنفاسهن. 

 ولعل المعاناة الأكبر كانت من نصيب النساء اللواتي أُجبرن على العمل في مهنة النبش في  القمامة، حيث يَمرَّن على العديد من الحاويات، منذ ساعات الفجر، وأحياناً بصحبة أطفالهن، ليقمن بالبحث عن كل ما يُمكن بيعه (مواد بلاستيكية وزجاجية، ورق، كرتون، قطع خشبية ومعدنية… الخ) طوال ساعات النهار وأحياناً في الليل. ثم يضعن ما جَمعنه في أكياس كبيرة قد تفوقهن وزناً،  يَحملنها على ظهورهن لينقلنها إلى الأمكان التي تُباع فيها. 

***

 فيما مضى كانت معظم الأمهات العاملات تستعين بالزوج أو العائلة أو حتى الجيران والأصدقاء للعناية بأطفالهن خلال غيابهن عن المنزل، لكن ظروف الحرب وتبعاتها غيَّرت هذا الواقع، بعد أن غيَّبَت الزوج والسند، وقطعت أوصال بعض العلاقات العائلية، وباعدت المسافات مع الأقارب والأصدقاء نتيجة ظروف السفر والهجرة، لذا باتت بعض الأمهات تضطر لاصطحاب أطفالهن، وأحياناً الرضع منهم، إلى عملهن كي لا يبقون في البيت بمفردهم، وأحياناً لكي يساعدنهن في بعض الأعمال، كشطف الأدراج وتنظيف البيوت وغيرها. وكان لتلك الأعباء التي وقعت على كاهل المرأة الكثير من الآثار السلبية التي انعكست عليها وعلى أطفالها، إذ باتت تلعب، إلى جانب دور الأمومة، دور المعيل والأب ورب الأسرة، وهو ما يسلبها معظم وقتها ويحرمها من عيش أي حياة خاصة، ويُبدد قواها وطاقتها لتعجز حتى عن إيجاد وقت للراحة والنوم. 

وعلى الرغم من أهمية عمل المرأة، الذي يُشكل ضرورة اجتماعية وتنموية تُساهم في تطوير المجتمع، إلا أن معظم الأعمال التي ذُكرت لم تُحدث فارقاً نوعياً في ميزان القوى العاملة في سوريا، ولم تُحقق لكثيرٍ من النساء شيئاً من طموحاتهن وأحلامهن التي لطالما ناضلن لتحقيقها، كونها تُعتبر بمعظمها أعمالاً ثانوية ومرتجلة وإسعافية، قد لا تشكل التطور والتقدم المطلوب في مسيرتهن المهنية. لكنها رغم ذلك أظهرت مدى كفاءاتهن ومهاراتهن المتعددة وقدراتهن على تجاوز العقبات وتذليل صعوبات الواقع المرير وتجميل قبح الحياة وفتح آفاق جديدة لها. 

اترك تعليق