قراءة في كتاب “دليل المواطنة” تأليف الرابطة السورية للمواطنة

 


نحو مواطنة فاعلة


إنّ التسارع في الأحداث والمجريات في العالم الناتج عن العولمة والتّطوّر التقني والتكنولوجي وسرعة الاتصالات
أدّى إلى تطور سريع ولافت في شتّى المجالات الفكريّة والثقافيّة والحضاريّة والسياسيّة والاقتصاديّة ، كما أنه خلق بيئة مناسبة وموائمة أكثر للإطّلاع على تجارب الشعوب و المجتمعات الأخرى ، وتحليل أنماط عيشهم واستهلاكهم من جهة، وتحليل الروابط بين المواطن والفضاء العام الذي يعيش فيه.
ممّا بدوره يخلق العديد من المقارنات والتساؤلات في أذهاننا عن هذه الفروق وأسبابها ما بين مجتمعاتنا الشرق اوسطيّة ومجتمعنا السوري أحدها ، وما بين المجتمعات الغربية المتقدمة كالبلدان الأوروبيّة على سبيل المثال .

مفهوم المواطنة ودرجة المواطنية

يشرح دليل المواطنة الذي أعدتة الرابطة السورية للمواطنة مفهوم المواطنة على أنه وضع يميز جميع العلاقات القائمة بين المواطن من جهة، والدولة أو المؤسسات ، والمواطنين أو المجتمع ، والفضاء أو مجال العيش المشترك من جهة أخرى .
ونلاحظ بأنّ هذه العلاقات اكثر فاعليّة واكثر نفعاً في المجتمعات الغربيّة فيما لو قمنا بمقارنة تلك العلاقات مع نظيراتها في المجتمعات الشّرق اوسطيّة بشكل عام أو المجتمع السوريّ بشكل خاصّ .
ويعرف المفكر السوري جاد الكريم الجباعي المواطنة بأنّها “وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها بمعزل عن صفاتهم الطبيعية القائمة على ” العرق ، أو الجنس أو اللون … الخ ” .
و لا تُعتبر المواطنة معطى نهائيا مكتملا ، فهي تتغيّر وتتتبدّل وتتطوّر وتختلف درجتها من مجتمع لآخر ولن تصل إلى الحالة المثاليّة لأنّ العالم متغيّر وغير مستقرّ ، و دوماً ما تسعى الشّعوب إلى تطوير نماذج للمواطنة لديها بحيث تتناسب مع الظروف الراهنة بمجتمعاتها ، فبالتالي من الطبيعي أن يلعب السياق المجتمعي والسياسي والثقافي لكل مجتمع دوراً حاسماً في تحديد هذه الدّرجة وتطوّرها سلباً أو إيجاباً .

مبادئ المواطنة في المجتمع السوري

ويحدّد دليل المواطنة مبادئ المواطنة استنباطاً من تعريف المواطنة، أي “المشاركة الحرّة للأفراد المسؤولين والمتساويين ” ، أي التشاركية والحرية والمساواة والمسؤولية .
فلو قمنا بإجراء نظرة فاحصة واقعيّة و سريعة لمبادئ المواطنة على أرض الواقع ضمن المجتمع السّوري فإنه من الواضح بأن مبدأ التشاركيّة أو مشاركة المواطن سواء أكانت المشاركة فردية أو جماعية لا ترقى للمستوى الذي يخدم مصلحة المجتمع ولو بحدّه الأدنى ، إضافة إلى أن مبدأ الحريّة كذلك غائب لعدة أسباب سياسيّة وعوامل كثيرة ، وبشكل عام المواطن لا يشعر بالمساواة والعدالة وهذا ما يدفعه بالضرورة الى الانكفاء والتهرّب من المسؤولية كونه لا يشعر لا بالمساواة ولا بالعدالة ، ولا يجد نفسه حرّاً في التعبير،وعلاوة على ذلك فهو لم يشارك بشكل فعّال في مجتمعه لا في صناعة القوانين والقرارت ، ولا في تنفيذها ، فيجد نفسه تلقائياً خارج إطار المسؤولية وهي نتيجة حتمية لغياب المبادئ الثلاثة السابقة .
إنّ شعور المرء في المجتمع السّوري بالمواطنة هو شعور على أنه مواطن بالاسم فقط أو بشكل صوري فهو يحمل جنسيّة بلده ويخضع لقوانينها فقط ، دون أن يكون له أي دور آخر ، وهذا ما تم تحديده في دليل المواطنة على أنه “حالة المواطنة الكامنة ” ، ولكي ينتقل المواطن من هذه الحالة إلى حالة المواطنة الفعّالة يجب أن تتحقّق مبادئ المواطنة أولاً .

قيم المواطنة :
يحدّد دليل المواطنة أربع قيم للمواطنة وهي:
/التضامن والإنسانية والوعي المدني والآداب العامّة/.

وهذه القيم لا يمكن قياسها فهي عبارة عن مجموعة من السمات الأخلاقية المجتمع المؤلفة من مشاعر ومفاهيم مجردة وسلوكيات مرغوبة كالخير والمحبة والعدالة والحرية..الخ في حين يمكن لنا قياس مبادئ المواطنة ومعرفة درجة تطبيقها.
وتستمد قيم المواطنة أهميتها من كونها تشكّل السمات الأخلاقيّة للمجتمع ، وهويته الأخلاقية العامة
فلا يمكن اعتبار المجتمع فعّالاً ومتماسكاً فيما لو لم يكن مسبوغاً بصفة التضامن ، أو لم يكن ينزع نحو الحرية والعدالة في ضميره الجمعي.
واعلاء قيمة الإنسان التي تعبّر عن الرأفة والرفق والرحمة والمساواة والكرامة للجميع،

وهي تنسحب على الجميع رجالاً ونساءً كباراً أو صغاراً دون أي تمييز أو تفضيل لفرد على آخر أو جماعة على أخرى ، سواء أكان المرء يحمل جنسيّة بلده أو مقيماً فيها أو لاجئاً على أراضيها .
وبالنّسبة لقيمة الآداب العامة أو الكياسة وهي ناتجة عن ثقافة تقبل الآخرين وقبول آرائهم إضافة للطف التعامل مع الغير ، والحفاظ على المرافق العامة والمؤسّسات العامّة والخاصّة واحترام القانون والتقيّد به .
أمّا قيمة الوعي المدني فهي قيمة مكتسبة وهي الوعي بحقوق المواطنين وواجباتهم و يُنتج هذا الوعي قيمة الإيثار أو تغليب المواطنون المصلحة العامّة على مصالحهم الخاصة ، وهي تعتبر مفتاح مهم جداً للعمل المدني ضمن المجتمع وخدمته سواء بالتطّوع الفردي أو الجماعي أو المبادرات والانشطة المدنيّة عبر منظّمات المجتمع المدني الغير حكوميّة والغير ربحيّة والتي تعنى وتهتم بالشأن العام لخدمة الصالح العام .

المجتمع المدني وأدواره :

كما ويشير دليل المواطنة إلى أهمية المجتمع المدني وإلى أهمية موقعه الإستثنائي ، و دوره الهامّ والذي يعود بالنّفع لصالح الدّولة والمجتمع معا، وذلك من خلال حماية المواطنين من استبداد الدّولة وتغوّل السلطة على المجتمع وذلك بالتركيز على مراقبة عمل مؤسّسات الدّولة ، وترشيد عملها، إضافة إلى مساعدة الدّولة ومؤسّساتها والاضّطلاع بالأدوار والواجبات التي لا تستطيع الدّولة القيام بها ، وتلعب أيضاً منظّمات المجتمع المدني دوراً كبيراً في تشكيل النّخب وتجديدها وفي تحقيق المواطنة الفعّالة .
فبالمحصّلة نجد أن أدوار المجتمع المدني تكمّل المبادئ العمليّة للمواطنة وتؤدي إليها بالضرورة وتعزّز هذه المبادئ في ترسيخ مفهوم المواطنة عند المواطنين وتساهم بشكل كبير في تجسير العلاقات والروابط ما بين المواطن والدّولة وما بين المواطن بالمواطنين الآخرين وعلاقتهم بالمجتمع ، فتكون النّتيجة أن الوعي المدني و العمل المدني و المجتمع المدني هي الأدوات الأكثر أهميّة للوصول إلى المواطنة الفعّالة .

خطوات حقيقيّة نحو مواطنة فاعلة :

إنّ المجتمع السّوري اليوم بحاجة ملحّة للإنتقال إلى حالة مجتمع مدني هادف وفعّال للانتقال الى حالة المواطنة الفعّالة ، وعملية الانتقال هذه ليست مستحيلة قطّ .
وإنّ تحقيق المواطنة الفاعلة لا يتمّ عبر القوانين فقط فلابدّ ان ترتكز على الممارسات أيضاً وبالمساواة بين جميع السوريّين فحقّ الإنسان بالمواطنة في بلده هو الرابط الأساسي بين المجتمع والدّولة وهو الحامل الذي يربط فضاء العيش المشترك ككلّ ، وبغياب حقّ المواطنة تتحوّل الدولة ومؤسساتها إلى سلطة فوقيّة معزولة عن مجتمعها .
ومع ذلك لا بدّ من تضمين حقوق المواطنة ضمن الدستور بمواد واضحة تساعد على بناء المواطنة وترسيخ مبادئها و قيمها وتكريس الحريّات اللازمة للوصول إلى حالة المواطنة الفاعلة .
و إعادة صياغة و تعديل الدستور والقوانين لتتلائم مع وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والشّرعة الدوليّة لحقوق الإنسان ، إضافة إلى الحقوق الإقتصاديّة والإجتماعيّة والثقافيّة بما فيها حقّ الإنسان في العمل والتّعليم والحماية الإجتماعيّة وغيرها المنصوص عليها في الأمم المتّحدة.
إضافة إلى إتفاقية سيداو ” القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة ” واتفاقية حقوق الطفل وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة .
و لتحقيق مبادئ المواطنة يجب خلق بيئة مستقرّة و مناسبة سياسيّاً وفكريّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً حتى يصبح المواطن قادراً على تطبيق مبادئ المواطنة ، وأن يكون أكثر قدرة على المشاركة ضمن مجتمعه بحرّية ومساواة ومسوؤليّة

اترك تعليق