الطلاق، أرقام ودلائل

تفترض المتغيرات الحاصلة في كل مجتمع على مرّ السنين تطوراً قانونياً يواكبها كي تبقى حالة التوازن والتفاعل موجودة دائماً على المستوى الاجتماعي، ليشعر الأفراد (نساءً ورجالاً) بالأمان والعدل والمساواة من حيث الحقوق والواجبات، وهذا ما كنّا نأمله بعد طول انتظار أن يأتي التغيير المنشود على قانون الأحوال الشخصية والذي تمت المطالبة بتعديله على المستوى الرسمي (الحكومي) وعلى المستوى الجماهيري( مثقفين، ناشطين، جمعيات أهلية).

في دراسة أجرتها بلدي نيوز، تظهر ارتفاعاً واضحاً في نسب حالات الطلاق للزيجات القديمة، يقف وراءها جملة من الأسباب مثل المستوى المعيشي المتدني وعدم القدرة على تأمين أساسيات الحياة، والزواج المبكّر وانتشار ظواهر اجتماعية خطيرة كـ العنف الأسري والإدمان على الكحول والمخدرات، حسب نشطاء وحقوقيين.

وقد ذكر المكتب المركزي للإحصاء في دمشق أن 237944 عقد زواج تم تسجيلها خلال عام 2021 في سوريا، فيما بلغ عدد شهادات الطلاق خلال العام نفسه 41957  وذلك بنسبة 17.6% من إجمالي واقعات عقود الزواج المسجلة.

وفي السويداء، ذكرت لنا المحامية (رايا السبيعي) بيانات إحصائية، عن انخفاض عدد حالات الزواج من  2700 حالة عام 2011، الى 1967 حالة عام 2018، وبالمقابل هناك تضاعف عدد حالات الطلاق، التي سجلت عام 2011، 

247 حالة. في حين تجاوزت الألف حالة حتى منتصف العام 2020. (بين حالات طلاق بائنة، وحالات لم يبت فيها بعد)

تُبيّن هذه الأرقام الخلل الذي أحاط بالأسرة السورية في السنوات الأخيرة. والأثر السلبي لتداعيات الصراع على الاستقرار المجتمعي. والانهيار الاقتصادي ومعدلات الفقر التي تلامس نحو 90% من السكان، وانعدام الأمن الغذائي الذي يهدد نحو 60% منهم بحسب الأمم المتحدة.

الأطفال من يدفع الثمن 

لا تتوقف آثار الطلاق على الشريك فحسب، بل أثره يكون أقسى وأعنف على الأطفال. إن المقولة الشائعة التي تقول بأنّ الرجال يطلقون أبناءهم أيضاً مع زوجاتهم، بها نسبة لا بأس بها من الصحة. إذ تتحدث الدراسات الطبية والاجتماعية أن الأطفال من عمر عامين ونصف إلى ستة أعوام يلومون أنفسهم على انفصال والديهم، وينشأ لديهم خوف من أن يتعرضوا للهجر، وفي سن المراهقة فإن الأطفال ذوي الأهل المنفصلين يواجهون صعوبة في تقبل العلاقات العاطفية، أو حتى الخوض في علاقة طويلة. وهم اكثر ميلاً لفقدان السيطرة على مشاعر الغضب، والإحساس بالعار والرغبات الانتقامية. 

يشبه علماء النفس الطفل بـ الإسفنجة التي تمتص أي سلوك أو تصرف يصدر عن والديه، وبالتالي، فإن أي تصدع في العلاقة بين الأب والأم سيؤثر على توازنه النفسي والاجتماعي. وقد يتسبب في ميل الطفل إلى الاعتقاد بعدم حب والديه له، بالإضافة إلى شعوره بالذنب أن الطلاق حصل بسببه، مما يزيد من مشاعر القلق والغضب لديه، وصعوبة في مواجهة المجتمع المحيط، يظهر بفقدان الرغبة بالاختلاط، أو الذهاب إلى المدرسة بسبب شعوره بالخجل نتيجة هذا الانفصال. تظهر هذه المشكلة بوضوح بين سن 13_18 سنة خصوصاً، لاسيما إذا ما ترافق بتغيير أماكن السكن ونمط الحياة. فهذه الأوضاع الجديدة تحرم الأطفال من أهم مرتكز نفسي وعاطفي في حياتهم وهو الشعور بالأمان الذي يحققه المنزل لهم.

***

إن المعاناة التي يعيشها الأطفال بسبب انفصال الوالدين ليست مسؤولية الوالدين فقط، فمن جهة المجتمع الذي يرفض المرأة المطلقة وينبذها. ومن جهة أخرى القانون المجحف بحق النساء المطلقات. إذ يعتبر قانون الأحوال الشخصية السوري، منحازاً بشكلٍ واضح إلى الرجل على حساب المرأة، وخاصةً فيما يتعلق بجزئية النفقة والحضانة. فبالرغم من إقرار مجلس الشعب السوري تعديلات على قانون الأحوال الشخصية في 5 شباط عام 2019، إلا أن هذه التعديلات، قد أثارت جدلاً واسعاً بين السوريين، نظراً لـ “التغييرات التجميلية” التي أقرتها، ولا تمس عمق القوانين المناهضة لحرية المرأة وحقوقها.” على حد وصف قانونيين محسوبين على الحكومة نفسها.

مع هذا الإجحاف في القوانين بحق النساء المطلقات وأثره النفسي والاجتماعي والاقتصادي عليهن، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى لعملية إصلاح قانوني، تضمن حقوق وكرامة عشرات الآلاف من المطلقات وأطفالهن.

“إن الأرقام المتصاعدة لتلك الحالات خير دليل على انتشار ظاهرة الطلاق، ورغم أنّ الروافع الحقيقية لبقاء واستمرار الحياة الزوجية، هي خلق بيئة اقتصادية مستقرة لكلا الطرفين، إلّا أنّ الابتعاد عن الزواج المبكّر للذكور والإناث، وخاصة في مرحلة المراهقة، وزيادة التعلّم والثقافة للشباب، وتوفير العمل والمسكن اللائقين، كلها روافع قد تدفع إلى كبح جماح الطلاق إلى حدٍّ ما داخل المجتمع”.{1}

1-(تصريح لـ رئيس المحكمة المذهبية بالسويداء، القاضي إنصاف جربوع، لـموقع (نورث برس)

اترك تعليق