التربية الجنسية، الواقع والأحكام المسبقة

حول التربية الجنسية

من الملحوظ في مجتمعنا التركيز على التعليم، لا بل أكثر من ذلك. حيث يصرّ معظم الأهالي على حصول أولادهم على أعلى الشهادات الجامعية. فالشهادات العليا هي مصدر الفخر الأكبر بالأولاد. وهذا أمر رائع ومهم، فالتعليم ركيزة أساسية للتنمية البشرية، ولبناء مجتمع واعٍ يسعى إلى العدالة والمساواة. ومع هذا، ورغم هذا الإصرار، فإن التربية هي من تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات الأهالي. حتى أن المؤسسة التعليمية في بلادنا، يطلق عليها مؤسسة التربية والتعليم. إذ تتولى المدرسة والأسرة معاً مهمة تربية الأولاد، وغالباً ما يهتمون بتربيتهم على الصدق والنظافة، وبر الوالدين. ومساعدة المحتاج، والكثير من الأشياء الإنسانية الجميلة والتي يسمونها “الأخلاق الحميدة”. 

طبعا، من السهل على أيا كان أن يتكلم بحرية و إسهاب عن التربية في هذا الإطار التقليدي. ولكن، ماذا لو جئنا على ذكر التربية الجنسية؟! هل سيسمح لي مجتمعي الحبيب بالتكلم بحرية، دون إطلاق الأحكام الأخلاقية المسبقة على ما سأقول؟

يفترض سيغموند فرويد أن رغباتنا الجنسية، وخاصة تلك التي نقمعها، هي في صميم أفعالنا. فهي تؤثر بشكل عميق على سلوكنا، إذ يشكل الجنس جزءاً كبيراً من هويتنا. 

فالجنس الذي نتجنب الكلام عنه في مجتمعنا، له تأثير كبير على بناء الثقة في علاقاتنا الاجتماعية. مثل علاقات الصداقة، والعلاقات العاطفية. وكذلك له علاقة بصحتنا، وبعملنا، وأيضا برفاهيتنا.

وعندما نتكلم عن الجنس هنا، وعن الرغبات الجنسية، نحن لا نتكلم عن الانفلات، وعن حرية العلاقات الجنسية المفتوحة. بل على العكس، نحن نتكلم عن تعلم السلوك المسؤول مع احترام الذات، واحترام الآخرين. وفي سياق مجتمعاتنا الثقافي. خاصة بوجود الانترنت، والمواد الإباحية، والمناقشات السرية بين الأصدقاء. وبالتالي تناقل المعلومات والممارسات الخاطئةــ فإن الأهل والمدرسة. يواجهون تحديات كبيرة في تقديم معلومات صحيحة وصحية حول الحياة الجنسية. لحماية الأولاد، وبالتالي حماية المجتمع.

التربية الجنسية ومنظمة الصحة العالمية

ما رأيكم أن نتعرف قليلا على ماهية التربية الجنسية من منظور منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة. وأيضا من خلال منهاجها التربوي المقترح، قبل أن نطلق أحكامنا عليها.

بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن المراهقين والشباب، وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. يواجهون تحديات تتعلق بالصحة الجنسية والإنجابية. حيث تعد العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والقانونية والمالية. عوامل مؤثرة في تمكين، أو في إعاقة، دمج التربية الجنسية في المناهج التعليمية الوطنية. 

وهي ترى أن البرامج التربوية التي لا تتناول سوى الامتناع عن ممارسة الجنس لجيل الشباب خارج إطار الزواج. غير فعالة في منع النشاط الجنسي المبكر، والسلوك المحفوف بالمخاطر، وقد تضر بالصحة الجنسية والإنجابية للشباب والشابات.

وتضيف المنظمة: أن التربية الجنسية تجعل الأطفال والشباب أقل عرضة للاعتداء، بتزويدهم بالمعارف الكافية حول حقوقهم وحول السلوكيات المقبولة وغير المقبولة. حيث يحب أن نعرّف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 – 8 سنوات على مفاهيم التنمر والعنف. والعمل معهم على إدراك أنها أعمال مسيئة. وتدعو هذه الإرشادات إلى توعية الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 – 15 عاماً. بأن الانتهاك الجنسي والاعتداء الجنسي والعنف الجنسي والتنمر، تُعد جميعها انتهاكات لحقوق الإنسان، وأن وزرها لا يقع على الضحية أبداً. وأخيراً، تدعو الإرشادات إلى تعليم المراهقين الأكبر سناً، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 – 18 عاماً. أن التراضي أمر بالغ الأهمية لإقامة علاقة جنسية إيجابية مع الشريك. وينبغي أيضاً تعريف الأطفال والشباب ماذا يفعلون وإلى من يلجؤون في حال وقوع مشكلات مثل العنف وإساءة المعاملة.

ومن خلال هذا النهج، تحسّن التربية الجنسية قدرة الأطفال والشباب على الرد على إساءة المعاملة ودرئها. وبالتالي الحصول على المساعدة عندما يحتاجون إليها.

بين التربية والمعرفة

 التربية الجنسية إذاً، ليست مجرد قواعد ومعارف يتم تلقينها. وإنما هي سياق مستمر متكامل وتفاعلي بين الأهل والأطفال من خلال متابعة الأولاد. من مرحلة الطفولة المبكرة حتى بداية سن المراهقة والبلوغ، والعمل على تبني ممارسات ومواقف معينة منذ الطفولة، منها: 

-الحصول على معلومات واضحة وواقعية، عن الحياة الجنسية. بداية من التغيرات الجسدية خلال فترة البلوغ، إلى تعريف الشباب بطرق الوقاية وحماية أنفسهم وشركائهم. بدءاً من وسائل منع الحمل، إلى الأمراض المنقولة جنسيا. وتختلف هذه المعلومات وأسلوب إعطائها بالطبع، حسب العمر، ودون محرمات أو أحكام مسبقة. 

-الانفتاح على الحوار، حيث يجب أن تكون الحياة الجنسية، التي غالبًا ما تكون محاطة بالغموض، موضوعًا مفتوحًا للمناقشة. سواء في المنزل، أو في المدرسة، أو بين الأصدقاء. لأن الحديث عن الحياة الجنسية، والرغبات والحدود، يساعد في بناء رؤية صحية ومحترمة للذات، وللآخرين.

– الموافقة: في أي علاقة، سواء كانت علاقة الأشخاص الذين يمرون في نفس الشارع، أو علاقة الركاب في الباص. إلى علاقات الصداقة، حتى علاقة أفراد الأسرة بين بعضهم في البيت، وصولاً إلى العلاقة الزوجية، يجب أن تكون الموافقة متبادلة. ومن المهم تعليم الشباب أن لكل شخص الحق في أن يقول “نعم” أو “لا”. وأن هذا الاختيار يجب احترامه في جميع الظروف. إن التعود على حصول موافقة الآخر في العلاقة، يخفف من حوادث العنف الجنسي والتحرش. ويساهم في منع السلوك العنيف والمسيء، وخاصة العنف المنزلي. كما أنها تشجع ضحايا العنف على طلب المساعدة والإبلاغ عن الاعتداءات.

– احترام الذات: من الضروري فهم وقبول جسدك، رغباته وحدودها. وهذا يتطلب تعليماً يأخذ بعين الاعتبار ويحترم تنوع الأجساد والخبرات، بعيداً عن الصور النمطية التي غالباً ما تنقلها وسائل الإعلام.

– الدعم المهني: تلعب التربية الجنسية دورًا مركزيًا في تعزيز المساواة بين الجنسين مهنياً. وتفكيك القوالب النمطية الجنسانية، من خلال تعليم الفتيات والفتيان المهارات نفسها، وإعطائهم نفس الفرص في مختلف المجالات، وتشجيع المرأة على الانخراط في المجالات التي يهيمن عليها الذكور تقليدياً.

– تعلم النقد ومناقشة المعايير الاجتماعية، وإعطاء رأي فيها، وبإمكانية تغييرها مستقبلاً.

كلمة أخيرة

“المجتمع الحر، هو المجتمع الذي تكون حراً فيه. ويمكن ان تختار أن تكون مكروهاً فيه، لكن دون أن تكون حياتك في خطر.” أدلاي ستيفنسون

لاتزال الأعراف الثقافية، والمذاهب الدينية، والمعايير الأخلاقية، تعيق تطبيق التربية الجنسية في مجتمعاتنا المحلية. ومازالت الحياة الجنسية، المتأصلة في طبيعتنا، محاطة بالألغاز والأحكام المسبقة. إن الخوف من الحكم، أو الخجل، أو ببساطة نقص المعلومات. قد حجب فهمنا لما هو طبيعي في الأساس، وساقنا إلى مفاهيم مغلوطة عن الحب، التقرب، والثقة. وبالتالي إلى العنف الاجتماعي، وعدم تقبل الآخر المختلف. فأصبحنا نهتم بشهادات أولادنا الأكاديمية ولا نهتم بصحتهم العقلية والنفسية والعاطفية. أصبحنا مجتمع غني بالأطباء والمهندسين والمحامين… الخ، وفقير بالأمان الشخصي، هذا الأمان الذي يعزز التطور والابتكار. من خلال تمكين الأفراد من التعبير عن أفكارهم، والمساهمة في تطوير المجتمع، دون خوف من الانتقام أو القمع. 

اترك تعليق