لطالما استهين بدور الفنون والدراما في التعبير والتأثير في المجتمع، واعتبر هذا الدور ثانوياً أو ربما مكملاً للأدوار السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى. إلا أن الفن وثيق الصلة بمجريات الأحداث، وصورة لا تنفصل عن الواقع في أي زمان ومكان، وله تأثره وأثره بحسب نوعه على مختلف فئات المجتمع.

ولعل الدراما من أهم هذه الفنون، بحكم ارتباطها الوثيق والمباشر بالمجتمع منذ نشأتها وحتى اليوم. وتجدر الإشارة هنا إلى لغط حول فهم مصطلح الدراما عامة. فلكلمة “الدراما” طيف واسع يحدده السياق، من زمان/ مكان، منذ اليونان القديمة والرومان والقرون الوسطى والعهد الإليزابيثي ..الخ. مروراً بالدراما الدينية ودراما عصر التنوير والدراما الأخلاقية والبرجوازية والرومانسية والغنائية…الخ. وكنتيجة، أصبح مصطلح الدراما في القرن العشرين يغطي أشكالاً متنوعة مكتوبة للمسرح والسينما والتلفزيون والتمثيليات الإذاعية والتلفزيونية، تشترك بوجود الفعل الدرامي والأزمة والصراع أي الحكاية( تسلسل الأحداث) والحبكة (ترابط الأحداث بعلاقات سببية) التي قد تغيب في بعض الأنواع وفقاً للتيار الفني والمدارس الفنية المختلفة، ويقابل هذه الكتابة العرض والأداء بأشكاله المتنوعة.
ضمن هذه الأنواع سنتطرق للدراما التلفزيونية في سوريا بعلاقتها مع قضية المرأة، وسنطرح تساؤلاتنا عن وضع المرأة في هذه الدراما، مع محاولة الإجابة قدر الإمكان أو ترك السؤال مفتوحاً كإجابة.
ومن الهام الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الدراما التلفزيونية لزمن ليس ببعيد، حيث كانت تعرض على شاشة التلفزيون الأساسي في كل بيت مع غياب أو قلة وسائل المشاهدة الأخرى، ليواجهها كل أفراد العائلة مع تحكم سياسات العرض لدى القنوات التلفزيونية (ساعات البث، مواعيد العرض، دراسات إحصائية لنوعية المشاهدين في كل فترة وفق ساعات الذروة) لتصل لأكبر شريحة من المشاهدين، هذه الخصوصية التي باتت اليوم أكثر خطورة، فعلى الرغم من هيمنة مواقع السوشيال ميديا بكل منتجاتها البصرية على التلفزيون كأداة، إلا أن السلاسل الدرامية التلفزيونية وجدت منابر إضافية، وباتت وثيقة الصلة بعالم التكنولوجيا بمرورها عبر هذه الوسائل، بإتاحة مفتوحة للوقت. بالإضافة للتسويق المركز على عمل معين أو بضعة أعمال دون غيرها، عبر الحملات الاعلانية أو عن طريق إثارة الجدل لتحويل أعمال بعينها إلى تريندات يتابعها جمهور واسع، بما تحمله من مضامين.
سنحاول ذكر بعض الأمثلة ضمن إجاباتنا، من أعمال حازت على انتشار واسع خلال المواسم الرمضانية الأخيرة، واستحضار بعض المقارنات مع أعمال قديمة ولكنها حاضرة في الذاكرة السورية الجمعية، لضرورة تبيان ما كانت عليه صورة المرأة في الدراما التلفزيونية السورية، وما آلت إليه لاسيما بعد العام 2011
موقع المرأة في صناعة الدراما التلفزيونية؟

يعد الإخراج أصعب مهمة من مهام العمل التلفزيوني عامة، إذ هو الضابط ورب العمل الأساسي، وبالتالي يحتاج هذا الدور إلى سلطة مفروضة عند الضرورة على جميع العاملين مع كل العلاقات المرنة المتاحة.
وقدكان للمرأة السورية محاولات متواضعة في مجال الإخراج التلفزيوني، إلى أن ظهرت المخرجة (هند ميداني) مخرجة “أحلام مؤجلة –هموم عائلية – غائم جزئياً- المحطة ….إلخ” و(أنيسة عساف) التي أخرجت ” أوراق امرأة- البصير – الزيزفون…ألخ” ثم (واحة الراهب) ومن أعمالها ” جواهر- القصاص- حمام شامي…الخ”، وربما أخريات بتجربة أو تجربتين، أما اليوم فالساحة شبه فارغة من مخرجات الدراما السوريات باستثناء تجربة المخرجة (رشا شربتجي) التي نالت أعمالها القديمة انتشاراً كبيراً وقبولاً اجتماعياً، إلا أنها تبقى حالة خاصة لاسيما بعد الأحداث السورية، إذ ساعدتها طبيعة قربها من السلطة لطرح أعمال قد تبدو متجاوزة فيها الخطوط الحمراء المفروضة على مخرجين آخرين . وذلك مع غياب لأية أسماء نسائية جديدة في السنوات العشر الأخيرة، ويعد هذا الغياب عن ساحة الإخراج مؤشراً خطيراً لغياب أعمال من الممكن أن تخدم قضاياها.

أما على صعيد الكتابة فالحال يتغير إلى الأفضل، ويتكثّف جهد المرأة عبر تاريخ الدراما، أمثال (أمل حنا، ريم حنا، دلع الرحبي، مية الرحبي…الخ) وفيما بعد (يم مشهدي، رانيا بيطار، إيمان السعيد…إلخ) حيث طرح أغلبهن أعمالاً تدور حول القضايا الاجتماعية وقضايا المرأة، وكان هذا مبعث للأمل في حال استمراره، لولا تراجع عدد النصوص بعد الأحداث السورية 2011، وعدم ظهور كاتبات جدد ليشكل هذا تراجعاً واضحاً في الدراما وما تطرحه من قضايا.
في حين شغلت المرأة مكانة جيدة في مواقع المكياج والسيكريبت التلفزيوني والديكور أيضاً، الا أن هذه الأدوار تبقى بعيدة عن التحكم بمحتوى ومقولة الأعمال الدرامية.

ولمّا كان من الصعب جداً عمل المرأة سابقاً في المجال الفني في المجتمع السوري، نلحظ اليوم حضوراً طاغياً للنساء من خريجات أكاديميات التمثيل أو موهوبات وراغبات.ودخولهن عالم التمثيل والأداء الذي يحتاج للجرأة والحرية، وهذه صورة ودليل على جاهزية المرأة لمحاولة التغيير عن وضعها السابق. إلا أن الاحترافية والاجتهاد بما يتناسب مع فحوى الأعمال التي تشغلها النساء، هو المؤشر الأدق، بما يخص تكريس الصورة النمطية للمرأة المعتمدة على شكلها وجمالها وعلاقاتها، في مقابل نجاحها في مهنتها وإتقانها لها، وهناك مقارنات عديدة باتت معروفة لمتابعي الدراما التلفزيونية بين ممثلات استطعن ترك بصمتهن الخاصة وحققن حضورا لافتا على المستويين المحلي والعربي
مثال ( وسمر سامي ومنى واصف، سلافة معمار، و كاريس بشار …الخ)، وبين أخريات يمكن أن يفتقدن ألف باء المهنة.
هل تشبهنا نساء الدراما السورية؟
إذا ما حاولنا أن نكون موضوعيين/ات ونقول أنه من الممكن أن تكون الراقصة عزيزة في مسلسل” جوقة عزيزة” _بعيداً عن رداءة أداء نسرين طافش للدور _ صورة لشخصية واقعية سورية ، وأن تكون شخصية جنان في مسلسل” مع وقف التنفيذ” وشخصية ديالا العباس في مسلسل” مقابلة مع السيد آدم” صوراً لشخصيات من الممكن أن توجد في الشارع السوري، واحتمالية صحة وجود استغلال الفتيات والنساء في مسلسلي” كسر عضم” و”حرملك” بالغزارة الكمية لطرحهما لقصص النساء المظلومات، المكسورات، والفقيرات اللواتي يسخّرن لمتعة الرجال ومصالحهم، وسلوك أغلب النساء ذات المسلك، ووحدة أسلوب العيش( الدعارة، الملاهي، الاستغلال) أو التهديد بمصير مشابه مع استمرار الأوضاع الرديئة والظلم الذكوري والاستبدادي العام، حتى لو كانت الفتيات خريجات جامعيات! هل تعكس هذه الصور، حقيقة الشارع السوري والنساء السوريات؟
لماذا لم تلجأ شخصية (سلمى- نادين تحسين بيك) في مسلسل “أحلام كبيرة” 2004 إلى مصير تعيس برغم وفاة أهلها وعيشها مع عائلة بعيدة وعودتها لسوريا بعد عمر ال18، ليخبرنا العمل عن السلطوية العائلية في بلداننا؟ ولماذا تغيب اليوم تفاصيل الشخصيات التي تشبه (وفاء – نورمان أسعد) وشخصية( ام عمر- سمر سامي) في المسلسل ذاته؟

ألم تعاني بنات مسلسل” الانتظار“2006 من الفقر والذكورية وانعدام الخيارات؟ فلماذا لم يلجأن إلى خيارات مشابهة؟ بل تمت معالجة خياراتهن بشكل أدق لتشبه فعلاً عائلة سورية من طبقة الفقر المدقع أفرادها من الفتيات؟ هل اختفت شخصيات مشابهة لشخصية (سميرة – يارا صبري) الموظفة النزيهة والمكافحة ” في المسلسل ذاته من الوسط السوري؟
ألم يطرح مسلسل “زمن العار” 2009، ردة فعل امرأة محرومة من أنوثتها (بثينة – سلاف معمار) ضمن سياق نفسي اجتماعي مفهوم دون اللجوء للحل الأسهل بتسليع الجسد باستسهال ومبالغة؟!
تكثر الأمثلة إذا ما استمر الطرح على منوال مقارنة الأعمال القديمة والحديثة، ولا يمكننا أن نقول أن المجتمع السوري ببناه الطبقية والاجتماعية والاقتصادية أو حتى في أوضاعه النفسية وتوجهاته قد بقي على حاله، ولكن أين اختفت المكونات السورية المختلفة والفئات السورية المتعددة من الدراما السورية؟!
أين المرأة التي اضطرت للإعالة بعد الحرب واستطاعت التأقلم مع وضعها الجديد والإنجاز ضمنه؟ أين النازحة واللاجئة والمغتربة والريفية؟ أين النساء اللواتي عانين ويعانين كل يوم وكل ساعة من قانون الأحوال الشخصية المجحف؟ وأين النساء المناضلات لتغيير واقعهن الاجتماعي والانفلات من الأعراف والتقاليد البالية بكل جدية ومثابرة؟ أين تجارب المناضلات السياسيات، والناشطات والصحفيات وتجاربهن في رفع الصوت والمطالبة بالحقوق؟..الخ. وكم هو مقدار التشويه المقصود عندما تغيّب شخصية المرأة القوية المستقلة والايجابية، التي باتت تقدم في السنوات فتقدم كشخصية انتهازية ووصولية، كشخصية “جنان” سلاف فواخرجي في مسلسل” مع وقف التنفيذ” التي تمثل الفساد باستغلالها لمركزها في البرلمان، وشخصية “ديالا العباس” رنا شميس في مسلسل” مقابلة السيد آدم” التي تمثل الطمع والمادية وانعدام القيم.
وعدا عن كل ذلك، إن انتشار عمليات التجميل عند أغلب الممثلات السوريات، شكّل هوة شكلية وجمالية كبيرة بين الممثلة و المتلقي، الذي أصبح كمن يتابع أعمالاً من كوكب آخر، لا أعمال درامية من المفترض أن تعبر عن المجتمع وعن واقع المرأة وهمومها وقضاياها.
فهل تشبهنا نساء الدراما التلفزيونية السورية التي تدّعي أنها تعبر عنا؟
يتبع….